‎الكاتب: علي آل عمران

9أبريل

الإستنساخ المقدس، معه وبعده

مجتمعاتنا المحافظة هي آلات استنساخ، تنتج أفرادا حسب القالب المقدس الأول. وكل فرد يشذ عن ذلك القالب يعامل كقطعة معطوبة في خط إنتاج، ويُتلَف حسب طقوس عبادية صارمة تشبه كوميدياها المقدسة مشاهد تطهير آثار الأطفال في “شركة المرعبين المحدودة”. هنا فقط، كل مختلِفٍ يصير مخالِفا (بالإذن من أدونيس).

الجنس حافز فردي لهدف جماعي هو البقاء، وهو في آليته يشبه الحوافز الإدارية التي تربط أهداف الأفراد بأهداف الجماعة. فرغبة الفرد الجنسية لا تسعى لبقاء النوع، بل لبقاء الفرد نفسه، لكن ذلك الهدف الفردي الأناني يحقق الهدف الجماعي. الجنس هو حيلة الفرد لتمتد حياته في جسد آخر، هو عملية استنساخ للجسد، وفي المجتمعات المحافظة يكون استنساخا للثقافة أيضا، أي أن الجنس هنا هو حفظ لـ “بيولوجيا” و”ايدولوجيا” الجماعة. لا يجوز لبيولوجيا المجتمع المحافظ أن تتلوث ببيولوجيا الآخر، ولا أن تتلوث ثقافته بثقافة الآخر، فالإستنساخ الجماعي يجب أن يتم تحت أشد شروط التعقيم صرامةً.

يميز المجتمعات المحافظة جهازُ مناعةٍ قوي يحطم كل خلية مختلفة في جسد المجتمع، ولأن الجسد (وخلاياه) يعيش أسباب تغيير ضخمة، فإن جهاز المناعة سيحطم جسده إن لم يكبح الجسدُ مناعتَه. موجة العنف الأخيرة هي من أعراض تغلب المناعة، أي أن الجسد – المجتمع حاول تحطيم نفسه بِنِيّة حماية نفسه.

المؤسسة الدينية هي جهاز مناعي في المجتمع، وإذا أردنا تغيير جسد فيجب ألا نوكل المهمة لجهازه المناعي. والمؤسسة الدينية هي ضابط الإستنساخ، لذلك تقبض بشدة على أهم أدواته: المرأة والتعليم والإعلام. إذا تحررت هذه المؤسسات من احتكار أي جهة، فإن مجتمعنا سيغادر مرحلة استنساخ لم تنقطع منذ عُرفنا عَرَبَاً.

الإرادة السياسية الحالية تدفع لذلك بتأن وإصرار، وستكون مرحلة “ما بعد الإستنساخ” قاسية علينا، إذ ستتكاثر الأشياء التي لا تشبهنا، وهذا تنكره القيم التي صنعناها في زمن الإستنساخ، وسنحتاج مرجعية ثقافية “ما بعد استنساخية” تقبل الإختلاف وتحميه.

ليتني أكون المستنسَخ الأخير..

30مارس

ضد غزوة لورباك

صباح الخير! من نقاطع اليوم؟

عندما لا يبقى من قِوانا سوى قدرتنا الشرائية، تصبح أماكن التسوق مراكز اقتراع لديمقراطية الإستهلاك. الشراء حق طبيعي ما زالت كل الطوائف والطبقات الإجتماعية تمارسه بسخاء! وفي عالم لا يفهم سوى الإقتصاد، يقاطع التاجر الأكبر (ويسمى أحيانا الشيطان الأكبر) زبائنَه، ويقاطعونه. فعندما كان المعبد مركز المدينة، كنا نعاقب معارضينا بطردهم من الدين. ولما صار المصنع مركز المدينة، صرنا نطردهم من السوق. أما أهالي المدن التي حافظت على مركزية المعبد في زمن مركزية المصنع فإنهم يطردون بعضهم من الدين ويطردون الآخرين من السوق.

هاجمت جماهيرٌ سفارة الدنمارك في سوريا، ففرّقتهم قوات الأمن بالمياه. كان الحدث من أعمال التخريب الجماعية النادرة التي غابت عن الأمن السوري، وهو الأول الذي يُنهَى بخراطيم المياه بدل الدبابات. في نفس الدولة، إعتاد كاتبُ التهريج ضد الله والإسلام وكل دين، وكتب علناً أن الله تأتيه الدورة الشهرية وأن “أم المؤمنين تأكل أولادها”. لكن ضميرنا العاقل الحكيم (هذه المرة) قرر مقاطعة المخطىء وكتبه، وليس مصانع “راحة الحلقوم”، إذ “لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.

كلما اختلف الناس زاد تشابههم. إختلفنا مع أميركا عندما دمرت أفغانستان والعراق عقابا لطالبان وصدام حسين، ولُمناها عندما ضيّقت على السعوديين لأفعال سعودي سابق. لكن دافع هذه المواقف هو نفس النزعة البدائية التي صَنعت إختطاف الأجانب والمقاطعة الشعبية. إنها لذة الثأر الجماعي الذي يعاقب القبيلة أو المذهب أو الدولة أو الجنس أو العرق لذنبِ واحدٍ من أفراده. أعداء أميركا يشبهونها بقدر ما يختلفوا معها.

أثبت الرئيس الإيراني أن عنده الحرية والجرأة التي تفتقدها حرية الرأي الأوروبية، فقد إنتقد الهولوكوست! لكنه لا يملك الحرية والجرأة لنقد ولاية الفقيه، ولو فعل لما وصل لمنصبه. إذا كان “التابو” هو عيب الهولوكوست، ففي إيران مثله. وإن كان عيبه تضخيم الحدث واستغلاله عاطفيا واجتماعيا وسياسيا، فقد فعل الشيعة ذلك مع معركة كربلاء. معركة كربلاء هولوكوست شيعي. لكل مجتمع هولوكوسته، واختبار الحرية والجرأة الحقيقي هو أن ننقد أي هولوكوست في موطنه، أي أن ننقد هولوكوست أوروبا فيها وهولوكوست إيران فيها.

تتسارع طرافة مشاهد غزوة لورباك، فنحاول تعليم الآخرين احترام رموز الدين. عذرا، نحن لا نصلح لهذا الدور! إننا نقتات يوميا على كرامة كل جماعة دينية بيننا، بل إن الإساءة للعقائد هي عبادتنا المفضلة التي نعطيها أكثر من وقت صلواتنا اليومية. راقبوا كمية الطاقة التي تُصرف يوميا لكتابة وقراءة مواقع الكراهية الدينية، مثلا. نُهين بعضنا، ونقاطع بضائعهم، ثم نجتمع ضد الغريب، فنُهينه ونقاطعه. هذه هي لعبة “أنا أقاطع ابن عمي، وأنا وابن عمي نقاطع الغريب”.

قاطعْنا أميركا لتُراجع سياستها في الشرق الأوسط، ثم تراجعنا ولم تتغير أميركا. نقاطع الدنمارك آملين أن تقيّد حرية التعبير لصالحنا (وفي التزام من طرف واحد)، لكن ذلك لن يحدث. حرية التعبير هو حق دستوري لا تستطيع الحكومة تقييده، ولن تتنازل الشعوب الغربية عنه بعد أن أدمت لتحصل عليه. نحن لا نفهم موقفهم لأننا لا نفهم معنى “حق” أو “دستور”. ستعود الدنمارك للسوق بلا تنازلات، وستبحث قبائل الدونكيشوت عن طاحونة جديدة تحاربها.

تعدّت صحيفة دنماركية على أعظم شخصية عند المسلمين، وكان واجبا عليهم أن يدفعوا الأذى عن النبي، لكن حفظ الإسلام لا يكون بالعودة للجاهلية. المقاطعة تعاقب الشركات الدنماركية لأن الشركات تحمل جنسية المذنب، وهذا ضد الدين لأنه ثأر قَبَلي جاهلي، وضد القانون لأن الشركات شخصيات اعتبارية مستقلة قانونيا عن الصحيفة.

علينا دفع المثقفين للتنازل عن الفكرة الخاطئة بإضعافها لا بإضعافهم. لا يهاب الغربُ آرائنا، لأنه اعتاد تنوع أفكارٍ يسعنا وأكثر، إلا أنه يرفض الإسكات بالعنف. لكن العنف والنفط هما كل عطاءنا للبشرية اليوم، والمعرفة شيء لا نستهلكه (رغم كثرة استهلاكنا) ولا ننتجه، فهي البضاعة الأجنبية المقاطعة دائما، ونعوّضها بالعنف كلما صرنا في مواجهة معرفية. لَم تُطوّر فِرَقُنا الناجية أساليب الجدل بينها منذ القرن الرابع، مع أنها تتجادل يوميا، ومازالت تعيش عالَم النواصب والروافض والزنادقة وطواحين دونكيشوت، فكيف تخلق حوارا ناجحا مع العالم؟

النكهة الدينية الحادة في تبريرات المقاطعة متوقعة، ولا تَدُلّ على صحة الأسباب، لأننا لا نستطيع (إطلاقا) التفكير أو التعبير بلغة سوى الدين، فبِهِ نحلل السياسة والإقتصاد، وبه نعبّر عن عواطفنا. إنه واحد من ثلاثة نكهات مرغوبة عالميا اليوم: الدين والوطنية والعلم. نحن نعتدي على هذه القِيَم فنجعلها قشورا تخفي غرائزنا البدائية التي يتصدرها كُرهنا للغريب ورعبنا منه. الشرق الأوسط يحارب الغريب بالدين، وأوروبا بالوطنية، وآخرون بالعلم. في عالم الكراهية المتعددة النكهات، الكل يصرخ تحت ألم العولمة: “أتركونا وحدنا!”

صباح الخير! من نكره اليوم؟

21أغسطس

“الرسالة الذهبية” ليست للإمام الرضا

“الرسالة الذهبية” كتاب مختصر في الطب منسوب للإمام علي بن موسى الرضا (153-203هـ). تبرز أهمية هذا العمل (إذا صحت نسبته للرضا) في جانبين:

1) لمؤرخي الطب العربي: الرسالة هي أقدم كتاب في الطب كتبه عربي أو مسلم [البار:142].
2) للمسلمين الشيعة: العمل دليل على تفوق الإمام الرضا (الإمام الثامن عند الشيعة الإثناعشرية) على أهل زمانه، واكتسابه معارف إلهية (لم يتعلمها من البشر) أيّدها العلم الحديث.

لكني أؤمن أن الرسالة لا تصلح لأي من الغرضين، فهي عمل منحول.

تقول الرسالة أن المأمون طلب من الرضا كتابتها بعد مجلس حضره أفضل أطباء الدولة [نجف:5-8]، وأُعجب بها المأمون فأمر بكتابتها بالذهب، فسُمّيت بالذهبية [نجف:67]. إسم الرسالة وسببه يطابقان ما رُوي عن الرسالة الذهبية لفيتاغورس التي “سميت بهذا الاسم لأن جالينوس كان يكتبها بالذهب إعظاماً لها” [إبن أبي أصيبعة:36].

رغم تبني الخليفة لها وأهميتها العلمية واحترام المؤرخين الواضح للرضا إلا أنها ذُكرت لأول مرة بعد وفاة الرضا بنحو 200 عام. لا أجد مبرراُ لهذا الصمت التام سوى جهل الجميع بالرسالة. حتى أعيان الشيعة كانوا يجهلونها، إذ لا يذكرها ابن بابويه القمي (311-381هـ) في “عيون أخبار الرضا” ولا معاصره ابن النديم (325-385هـ) في فِهرسته.

قدّم لنا أبو جعفر الطوسي (385-460هـ) في “الفِهرست” أول إشارة لها بإسم “الرسالة المذهبة” [الطوسي:9: 146] عندما عدّد مصنفات راوي الرسالة (أبو عبدالله محمد بن الحسن بن جمهور العمي البصري). ومع دخول الألف الأول الهجري، انتشرت وتعددت نسخها بـ”اختلاف فاحش” [المجلسي:59: 309] (إستمر لليوم)، وبرز إحتفاءُ مفكري الشيعة بها، إذ ظهرت 16 ترجمة وشرحا بعدة لغات [الطهراني:10: 266]. تأخُر ظهور الرسالة واختلاف نصها دليلان على أن أنها كُتبت في زمن متأخر واستمر تحريرها لعدة عقود، فهي نص منحول تغيّر بلا قيود.

ما كان فقهاء الشيعة سيحتفون بالرسالة لو حاكموها كباقي روايات محمد بن الحسن بن جمهور، فهو “ضعيف في الحديث، فاسد المذهب، وقيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها” [النجاشي:20: 337] و”لا يُكتب حديثه، ولا يُعتمد على ما يرويه” [الحِلِّي:251]، ويُعتبر ممن أضرت رواياتهم [الحسني:196] وعقائدهم [جعفريان] بالموروث الشيعي. رُوي أنه كان يحلل الحرام [جعفريان]، وقد فعل منتحِل الرسالة ذلك عندما نسب للرضا شرابا “حلالا” يُحضَّر بطبخ الزبيب ثم تقطيره ثم تخميره مختوما لثلاثة أشهر [نجف:21-25]، وتنصح الرسالة (على لسان الرضا) أن يُخفف الشراب بالماء عند شربه (“الشربة منه قََدر أوقية بأوقيتين ماء” [نجف:25]).

الرسالة مليئة بالأخطاء العلمية. مثلا، تقول الرسالة:

“فإن الماء البارد، بعد أكل السمك الطري يورث الفالج. وأكل الاترج بالليل يقلُب العين ويورث الحول، وإتيان المرأة الحائض يولد الجذام في الولد، والجماع من غير إهراق الماء على إثره يورث الحصاة. والجماع بعد الجماع من غير أن يكون بينهما غسل يورث للولد الجنون ان غفل عن الغسل.” [نجف:26]

الجمع بين الماء البارد والسمك الطري مستمر عند سكان السواحل، ولم تسجل المستشفيات حالة فالج واحدة سببها ذلك. أما الحَول فليس من أسبابه أكل الإترج في الليل. ولا تحمل المرأة أثناء الحيض، ناهيك عن إصابة مولود بمرض جلدي (كالجذام) بسبب وقت جماع والديه. أما حصاة المثانة فلا يسببها إمساك (عدم إهراق) المني عند الجماع. وعيوب المواليد الخَلقية لا يسببها امتناع الوالدين عن الغُسل بين كل جِماعين.

تفترض الرسالة أن الانسان أضعف من أي آلة خلقها البشر، فهو يتلف لأتفه الأسباب (كأكل الإترج بالليل والخلط بين السمك والماء). وهي تسيء للدين بإرجاع الأمراض الخبيثة لمخالفة الشرع (الجذام سببه مجامعة الحائض والجنون سببه ترك غسل الجنابة و الخ)، وإن قدّم أدبُ “مِن البسطاء إلى البسطاء” يقيناً ضروريا للمؤمن البسيط، فإن نتائجه مدمرة إذا تبنته النخبة.

رغم طعن رجال الحديث لراوي الرسالة وأخطائها الطبية الكثيرة، إلا أن تكريم فقهاء الشيعة لها وصل لدرجة استخدامها مصدرا للتشريع، فـ”العروة الوثقى” تفتي باستحباب الغُسل “لإرادة العَودِ إلى الجِماع، لما نُقل عن الرسالة الذهبية: أن الجِماع بعد الجِماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد” [اليزدي:1: 370]، ولا يعترض على الفتوى أيٌ من الفقهاء الكثيرين الذين علقوا على الكتاب. كم فتوى أخرى اعتمدت على مَن “لا يُكتبُ حديثه، ولا يُعتمد على ما يرويه”؟ لماذا يرى الفقيه أن منع أولادنا من الجنون مستحبٌ وليس واجب؟

لا تخدم أفكار الرسالة موقف المسلمين الشيعة، فالمعرفة التي تقدمها ليست إلهية بالتأكيد. وأرى أنها لا تخدم موقف مؤرخي الطب العربي (كمحمد علي البار) أيضا، فالنص منحول ولا يحمل قيمة تاريخية.

::. علي آل عمران

المراجع:

1) ابن أبي أصيبعة (أحمد بن القاسم)، “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”.
2) البار (محمد علي)، “الإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي”.
3) جعفريان (رسول)، “أكذوبة تحريف القرآن، بين الشيعة والسنة”.
4) الحسني (هاشم معروف)، “دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري”.
5) الحِلِّي (جمال الدين الحسن بن يوسف)، “خلاصة الرجال”.
6) زيني (صاحب)، “طب الرضا”، تقديم مرتضى العسكري.
7) الطهراني (آقا بزرگ)، “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”.
8) الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن)، “الفهرست”.
9) القمي (محمد بن بابويه)، “عيون أخبار الرضا”.
10) المجلسي (محمد باقر)، “بحار الأنوار”.
11) النجاشي (أحمد بن علي)، “رجال النجاشي”.
12) نجف (محمد مهدي)، “رسالة الإمام الرضا الذهبية في الطب والوقاية”.
13) اليزدي (محمد كاظم)، “العروة الوثقى”.

© Copyright 2013, All Rights Reserved