سياسة ومجتمع

30مارس

ضد غزوة لورباك

صباح الخير! من نقاطع اليوم؟

عندما لا يبقى من قِوانا سوى قدرتنا الشرائية، تصبح أماكن التسوق مراكز اقتراع لديمقراطية الإستهلاك. الشراء حق طبيعي ما زالت كل الطوائف و الطبقات الإجتماعية تمارسه بسخاء! و في عالم لا يفهم سوى الاقتصاد، يقاطع التاجر الأكبر (و يسمى أحيانا الشيطان الأكبر) زبائنَه، و يقاطعونه. فعندما كان المعبد مركز المدينة، كنا نعاقب معارضينا بطردهم من الدين. و لما صار المصنع مركز المدينة، صرنا نطردهم من السوق. أما أهالي المدن التي حافظت على مركزية المعبد في زمن مركزية المصنع فإنهم يطردون بعضهم من الدين و يطردون الآخرين من السوق.

هاجمت جماهيرٌ سفارة الدنمارك في سوريا، ففرّقتهم قوات الأمن بالمياه. كان الحدث من أعمال التخريب الجماعية النادرة التي غابت عن الأمن السوري، و هو الأول الذي يُنهَى بخراطيم المياه بدل الدبابات. في نفس الدولة، إعتاد كاتبُ التهريج ضد الله و الإسلام و كل دين، و كتب علناً أن الله تأتيه الدورة الشهرية و أن “أم المؤمنين تأكل أولادها”. لكن ضميرنا العاقل الحكيم (هذه المرة) قرر مقاطعة المخطىء و كتبه، و ليس مصانع “راحة الحلقوم”، إذ “لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”.

كلما اختلف الناس زاد تشابههم. إختلفنا مع أميركا عندما دمرت أفغانستان و العراق عقابا لطالبان و صدام حسين، و لُمناها عندما ضيّقت على السعوديين لأفعال سعودي سابق. لكن دافع هذه المواقف هو نفس النزعة البدائية التي صَنعت إختطاف الأجانب و المقاطعة الشعبية. إنها لذة الثأر الجماعي الذي يعاقب القبيلة أو المذهب أو الدولة أو الجنس أو العرق لذنبِ واحدٍ من أفراده. أعداء أميركا يشبهونها بقدر ما يختلفوا معها.

أثبت الرئيس الإيراني أن عنده الحرية و الجرأة التي تفتقدها حرية الرأي الأوروبية، فقد إنتقد الهولوكوست! لكنه لا يملك الحرية و الجرأة لنقد ولاية الفقيه، ولو فعل لما وصل لمنصبه. إذا كان “التابو” هو عيب الهولوكوست، ففي إيران مثله. و إن كان عيبه تضخيم الحدث و إستغلاله عاطفيا و إجتماعيا و سياسيا، فقد فعل الشيعة ذلك مع معركة كربلاء. معركة كربلاء هولوكوست شيعي. لكل مجتمع هولوكوسته، و اختبار الحرية و الجرأة الحقيقي هو أن ننقد أي هولوكوست في موطنه، أي أن ننقد هولوكوست أوروبا فيها و هولوكوست إيران فيها.

تتسارع طرافة مشاهد غزوة لورباك، فنحاول تعليم الآخرين إحترام رموز الدين. عذرا، نحن لا نصلح لهذا الدور! اننا نقتات يوميا على كرامة كل جماعة دينية بيننا، بل ان الإساءة للعقائد هي عبادتنا المفضلة التي نعطيها أكثر من وقت صلواتنا اليومية. راقبوا كمية الطاقة التي تُصرف يوميا لكتابة و قراءة مواقع الكراهية الدينية، مثلا. نُهين بعضنا، و نقاطع بضائعهم، ثم نجتمع ضد الغريب، فنُهينه و نقاطعه. هذه هي لعبة “أنا أقاطع ابن عمي، و أنا و ابن عمي نقاطع الغريب”.

قاطعْنا أميركا لتُراجع سياستها في الشرق الأوسط، ثم تراجعنا و لم تتغير أميركا. نقاطع الدنمارك آملين أن تقيّد حرية التعبير لصالحنا (و في التزام من طرف واحد)، لكن ذلك لن يحدث. حرية التعبير هو حق دستوري لا تستطيع الحكومة تقييده، و لن تتنازل الشعوب الغربية عنه بعد أن أدمت لتحصل عليه. نحن لا نفهم موقفهم لأننا لا نفهم معنى “حق” أو “دستور”. ستعود الدنمارك للسوق بلا تنازلات، و ستبحث قبائل الدونكيشوت عن طاحونة جديدة تحاربها.

تعدّت صحيفة دنماركية على أعظم شخصية عند المسلمين، و كان واجبا عليهم أن يدفعوا الأذى عن النبي، لكن حفظ الإسلام لا يكون بالعودة للجاهلية. المقاطعة تعاقب الشركات الدنماركية لأن الشركات تحمل جنسية المذنب، و هذا ضد الدين لأنه ثأر قَبَلي جاهلي، و ضد القانون لأن الشركات شخصيات إعتبارية مستقلة قانونيا عن الصحيفة.

علينا دفع المثقفين للتنازل عن الفكرة الخاطئة بإضعافها لا بإضعافهم. لا يهاب الغربُ آرائنا، لأنه اعتاد تنوع أفكارٍ يسعنا و أكثر، إلا أنه يرفض الإسكات بالعنف. لكن العنف و النفط هما كل عطاءنا للبشرية اليوم، و المعرفة شيء لا نستهلكه (رغم كثرة استهلاكنا) و لا ننتجه، فهي البضاعة الأجنبية المقاطعة دائما، و نعوّضها بالعنف كلما صرنا في مواجهة معرفية. لَم تُطوّر فِرَقُنا الناجية أساليب الجدل بينها منذ القرن الرابع، مع أنها تتجادل يوميا، و مازالت تعيش عالَم النواصب و الروافض و الزنادقة و طواحين دونكيشوت، فكيف تخلق حوارا ناجحا مع العالم؟

النكهة الدينية الحادة في تبريرات المقاطعة متوقعة، و لا تَدُلّ على صحة الأسباب، لأننا لا نستطيع (إطلاقا) التفكير أو التعبير بلغة سوى الدين، فبِهِ نحلل السياسة و الإقتصاد، و به نعبّر عن عواطفنا. إنه واحد من ثلاثة نكهات مرغوبة عالميا اليوم: الدين و الوطنية و العلم. نحن نعتدي على هذه القِيَم فنجعلها قشورا تخفي غرائزنا البدائية التي يتصدرها كُرهنا للغريب و رعبنا منه. الشرق الأوسط يحارب الغريب بالدين، و أوروبا بالوطنية، و آخرون بالعلم. في عالم الكراهية المتعددة النكهات، الكل يصرخ تحت ألم العولمة: “أتركونا وحدنا!”

صباح الخير! من نكره اليوم؟

© Copyright 2013, All Rights Reserved