5يناير
20140105-235523.jpg

المجتمع الأبوي ومفاهيم مصاحبة

هذه التدوينة من تشجيع حوار جميل تطرّق للبطريركية (الأبوية patriarchy) كتنظيم اجتماعي، وسأحاول هنا تعريف المصطلحِ وأفكارٍ متصلة به، بإيجاز قد اتوسع فيه مستقبلا.

الأبوية (كترجمة سائدة للبطريركية) هي نوع من تنظيمات المجتمع، يكون فيه الذّكَر السلطة الاساسية، ووصيّا على المرأة. وعادة ما يكون الذكرُ الوصيُ الأبَ او الزوجَ او الأخَ او الإبنَ، فتُلحق المرأةُ اجتماعيا وقانونيا به. وهذا التنظيم يمنع وجود امرأة بلا وصاية، ويعامل ذلك كمُنكر.

لغويا، الكلمة الانجليزية منحوتة من “حكم-الأب”، والأب (هنا) ليس أب عائلة، بل أب عِرق بشري (كإبراهيم لبني اسرائيل في السرد التوراتي) كرمز للحضور الذكري الطاغي في المجتمع، فالمصطلح استسقته الإناسة (anthropology) من التوراة في زمن كانت معارفُ طريّةٌ تهتدي بالتوراة كمؤرخٍ صادق وشاهدٍ وحيد لفترة تاريخية، وبقى المصطلح (وغيره) كوليد علاقة حميمة منتهية بين التوراة والعلوم.

التنظيم الأبوي ينزع من المرأة (كقاصر) حريات تصرف (كالتعليم والزواج والعمل والتنقل والتملّك وإدارة المُلك) ويعطيها للوصي الذكر، ويشرّع امتيازات عديدة للذكر. حدود قصور المرأة وسلطة الوصي اختلفت بين المجتمعات والأزمنة، لكنها تجتمع على منع المرأة من مستوى سلطة الرجل، ممثلة في المعرفة والملكية والمنصب.

الأرجح ان الأبوية كانت تنظيما مشتركا في كل المجتمعات والأزمنة، ويغيب الدليل على مجتمع او مرحلة إنسانية أمويّة (متريركية matriarchy)، بمعنى ان سلطة المرأة (كجنس) علت الذكر (كجنس). هناك مجتمعات أمويّة بمعنى إنتساب الأبناء للأم، لكن تلك الأم كانت تحت وصاية ذكر. وهناك لحظات حكمت فيها نساء، لكن في مجتمعات (وبشروط) ذكورية، كما برز دائماً أفراد من جماعات مقهورة تحت شروط جماعات مستبدة.

ومثل تمسّك نسويّات (كنوال السعداوي) بمرحلة أمويّة رغم إقلاع الإناسة القديم عنها، مازال يُقال ان “المرأة في الديانات الوثنية كانت أفضل من الديانات التوحيدية”، وقد يوظَّف هذا الخطأ لتجميل موضة فكرية صاعدة. يأخذ هذا الرأي بصورة المرأة في أساطير وآلهة مجتمعات قديمة، وقد يضيف شهادة الاعمال الفنية (كالمنحوتات). وهو ادعاء أنتجته مدرسة الأساطير والشعائر، التي سادت في بدايات الإناسة وانتمى لها روّاد عديدون. ورغم انسحاب هذا المنهج، مازال طاغيا على الباحثين العرب (كفراس السوّاح).

رأت تلك المدرسة اننا نستطيع فهم تنظيم وتغيّر مجتمع بالتوكّل على شهادة أساطيره وشعائره، لكن ثبت لاحقا قصورُ ذلك في موضوعنا وغيره، فصورة المرأة في الأساطير والآلهة (والأعمال الفنية) قد تناقض واقعَ تشريعات الدولة وممارسةَ المجتمع، وباضطراد ملفت. كما ان العديد من الأساطير والملاحم هي نصوص أدبية، وقَلبُ الواقع كان من أدواتها الجمالية. (وقد نجد تناقضا مشابها بين صورة المرأة في أدبيات مجتمعنا الأبوي وواقعه، ومن تجليّات ذلك صورة المرأة الملكة في مجتمع يحرّم ولاية المرأة.)

لم يتراجع بطش الأبوية لنصف البشر الا في العصر الحديث، وكانت قبلها الشكل الوحيد للمجتمعات البشرية، بكل اعراقها ومعتقداتها، ومنذ أقدم الأدلة الأثرية، ولم تكن أبدا خصوصية لمجتمع او عقيدة. فإذا نظرنا لمسائل افرزها ذلك التنظيم (كالولاية والتجهيل والعزل وحتى الوأد) فإننا نجد أمثالها في حضارات اخرى، كالعراق واليونان القديمَين. وخطأ ان نحمّل مجتمعا او دينا مسؤولية تأسيس (او عبء بقاء) النظام الأبوي المكلف إنسانيا.

اذا كان في خصوصيتنا خصوصيةٌ فليست حال المرأة، فهذا الحال نمى منسجما مع أقرانه في مجتمعات اخرى، ولم ينفعه انسجامه (آنذاك) ليكون رمز هوية ومواجهة للآخر المتخيَّل في الغرب، فالغرب شاركنا وضع المرأة القديم الذي أبقيناه لخصوصيتنا. وليس من خصوصيتنا (كذلك) أدوات تبريره، فقد شاركْنا الغربَ التبريرات، التي منها قراءة غائية للنص لتفسير وترسيخ مكاسبنا المعاصرة.

4أكتوبر
Tube Meat

لن تنقذ اللحوم الصناعية حيوانات الطعام

نعرف أننا نعامل حيوانات الطعام (المواشي، الدواجن، ..) ليس ككائنات حية، بل كألات تنتج انسجة (عضلات، جلود، ..) لا نستطيع صنعها الآن. ومع آمال الانسان لصنع أنسجة كهذه، تصعد آمال لانقاذ الحيوانات، بترك استخدامها كمادة للطعام والصناعة. لكني أظن ان بدائل حيوان الطعام لن تنقذه، بل ستؤدي لانقراضه. أي أن هذه الكائنات الحية هي بين مصيرين: بقائها كمادة للطعام والصناعة، أو الانقراض.

طبعا، كانت هذه الحيوانات بريةً قبل أن يستأنسها البشر. الأجيالُ الأولى البريةُ اختفت تقريبا، وما ينفعُ الناسَ مَكَثَ في الارض، لأن الانسان أذِنَ لتناسلها ورعاه. وعبر اجيال من البشر، تم تفضيل سلالاتِ حيواناتٍ حسب نفعها لبقاء الانسان، وفنَى غيرُها. أي أن تطور حيوانات الطعام حكمته سلطتان:
١) الطبيعة: حيث فَرزت الظروف الطبيعة هذه الحيوانات، ونجى الأقدرُ على البقاء.
٢) الانسان: حيث فَرز الانسان هذه الحيوانات، ونجى الافضلُ لبقاء الانسان.

قدراتُ الحيوانِ الانفعِ لبقاء البشر تُناقضُ قدراتَ الحيوانِ الانفعِ لبقاءه هو، والسلالات التي اصطافها الانسان لنفسه هي كائناتٌ إتّكاليةٌ عليه، وعاجزةٌ عن العيش في بيئاتها الطبيعية الاولى. هي مُسوخٌ هشّة، فارتقاء الانسان احتاج انحدارَ كائناتٍ أخرى (وربما بشرٍ آخرين!)

هذا النقاش يساوي حيوانات الطعام بكل ما يتداوله الانسان (الافكار، السلوك، المنتجات، ..)، في ما يشبه داروينية يسيّرها نفعُ الناس، فاذا وصَلَنَا نبات أو سلوك أو كتاب فلأن أجيالا من البشر رعت تكاثره فلم ينقرض. واذا نمت فكرةٌ في مجتمع، فلأن الاغلبية هناك يرعون تكاثرها. إن سلطة الاغلبية تلك واسعة وعميقة، وأضخم من جهودنا للنجاة منها، وما نستهلكه اليوم هو فرَضٌ من الاغلبية. لنأخذ الانترنت كنموذج. اعطت الانترنت (كارشيف جماعي للمعرفة البشرية) ملجأً سهلاً للأفكار، لكن البحث في هذا المخزون منحازٌ لما ترشّحه الاغلبية (مثل أسلوب جوجل المسمى Page Rank). لهذه الاسباب وغيرها، صارت بُنيةُ ادوات البحث (كفهارس للمعرفة البشرية) مقلِقةً حضارياً.

أعودُ لموضوعنا! عَتْقُ الانسان لحيوانات الطعام لن يكون سببُ انقراضها الوحيد. صُنعُ انسجة بديلة للحيوان سيكون نتاجَ علومٍ مثل هندسة الانسجة أو التصنيع الحيوي، وأولُ اهداف هذه العلوم قد يكون تعويضَ اعضاءٍ بشريةٍ مختلّةٍ وظيفيّا، فيطولُ عمرُ الانسان، ويزيدُ سكانُ العالم واخلاءُ بيئة الكائنات الاخرى لسكن البشر. اذا نبذ الانسان الحيوانات كمادة للطعام والصناعة، فلن يرحب بها كمنافس على موارد الارض.

أخيرا، دعونا نراجع دوافع رفض تربية حيوانات الطعام:

١) أخلاقية (أو عقائدية): ضد مبدأ أو طريقة ذبح الحيوان، أو ظروف رعايته، أو حتى أكله.
٢) صحية: ضد مبدأ تناول اللحوم، أو مشككة في سلامة طرق تغذية الحيوانات او معالجة لحومها ونقلها وتخزينها على صحة الانسان.
٣) بيئية: قلقة من التكلفة البيئية لتربية الحيوانات للطعام، فنحن نستهلك سنويا من الحيوانات البرية نحو ١٠ اضعاف عدد البشر.

ان فُرص تحقيق تلك الشروط تنخفض مع ارتفاع عدد البشر أو مستواهم الاقتصادي، ويبدو أن ارتفاع جودة حياتنا (صحيا واقتصاديا) يخفض قسراً أخلاقية وصحيّة وبيئيّة طعامنا، الا اذا ابدلنا (طوعاً أو كُرهاً) الحيوانَ بأنسجة مُصنّعة. قد تحقق البدائلُ الآمانيَ الثلاث، الا نجاة حيوان الطعام.

كنظامنا الغذائي الحالي، سيكون لبدائل اللحوم آثار ثقافية واجتماعية عميقة. مثلا، ماذا سيكون تعريفنا للذة الطعام؟ وماهي المظاهر الطبقية للذة، اذا كانت النُدرةُ عنصرا في لذة طبقة اجتماعية؟

23سبتمبر

المعلومات المهنية في الشبكات الاجتماعية

إحدى الظواهر السيئة عندنا هي الكتابة في الشبكات الاجتماعية عن خصوصيات المهنة، والحالات التي لاحظتها في تويتر تنتمي لواحد أو أكثر من الانواع التالية:

١) موظف يعرض خبرته في مجاله: هذا جيد، اذا تجنب خصوصيات مؤسسته.
٢) موظف يعرض خصوصيات مهنته لجذب المتابعبن، وأحيانا يفعل ذلك بعد ترك المؤسسة، وكأن التزامه القانوني-الاخلاقي ينتهي مع تركه المؤسسة. وهناك من جنى مكاسب شعبية من التجارة بخصوصيات مهنة سابقة.
٣) موظف يعرض خصوصيات مهنته انتقاماً من مؤسسته او جهات مرتبطة بها.

وفي كل تلك الاحوال، تكون التفاصيل المعروضة خليط من الصحيح والخطأ، حسب موقع الموظف في المؤسسة وموقفه من الموضوع.

علينا الحد من هذا السلوك الخاطىء. واقترح على المؤسسات محاسبة هؤلاء قانونيا، لرفع التزام الأفراد وخفض فوضى الفضاء العام.

22سبتمبر
Jobs (film cover)

مطالعة فيلم: جوبز

فيلم “جوبز” (عن مؤسس أبل) سيء، لأسباب سأوضحها.

الفيلم لا يعرض قصة ستيف جوبز، بل قصته مع أبل، فالفيلم يبدأ قبل تأسيس أبل بقليل وينتهي بعد عودة جوبز لأبل بقليل، ويتجنب حياة جوبز خارج أبل (كالجانب الاجتماعي وأعماله الاخرى). قصة الفيلم هي ما نعرف عن جوبز من الاعلام، بلا إضافة. اشعر ان القصة قيَّدَها هاجس السرية عند عائلة جوبز، فصار الفيلم اداءاً درامياً لقليل منتشر عند الجمهور، او ان الفيلم اراد قبولا تجاريا بقَصْرِ القصة للجانب الممتع المفهوم عند المشاهدين.

معروفٌ ان جوبز كان متوحشا مع الناس في داخل أبل وخارجها (حتى مع عشاق أبل)، ولم تكن من عادته إظهار الانسانية. لم يجد الفيلمُ الانسانَ في سلوك جوبز العلني، فبحث عن الانسان فيما يفعل جوبز في السِرّ. جوبز المتوحش، الذي نبذ ابنته وترك شريكه ستيف وزنياك، بكى وحيدا بعد هذين الموقفين! هذا كل ما وجده الفيلم من انسانية جوبز، بعد ساعتين من التنقيب.

شخصية جوبز في الفيلم تظهِر جفافه المذكور بوضوح مستمر، لكنها لا تُضخِّم تلك الصفة كما فعلت لسمات أخرى في جوبز ومن حوله. مثلا، حركة جوبز ضَخّمها أداء الممثل لدرجة كرتونية. وشخصية وزنياك شُوّهت بالكامل، وكأنه ساذج طيب محظوظ بموهبة تقنية. حتى جوناثان إيڤ ظهر أمام جوبز بشخصية كرتونية، وكأنه يتلو نصّاً تدرّب عليه لتسجيل رسمي (scripted and coached speech). يبدو ان فريق الفيلم لم يجد مادة مصوَّرة لإيڤ سوى تسجيلات أبل وفيلم Objectified، ومن الطريف تقديم شخصيته العفوية هكذا. طبعاً إيڤ يظهر كدُمية طيبة أخرى أمام جوبز، وكأن إيڤ تلميذٌ واعِدٌ وليس رئيس التصميم الصناعي في أغلى شركة تقنية في التاريخ والحاصل على ثاني أعلى وسام بريطاني.

وزنياك وإيڤ ليسا الطيبان الوحيدان عند جوبز، فكل من حوله كذلك، وكأن الله سخّر لجوبز ما يحتاج من الدُمى الطيبة المحدودة المهارات. ولا يَظهَر في الفيلم ان لجوبز قرينٌ في اعماله او حياته الشخصية. فهو وحش يستخدم طيبين، ومُلهَمٌ يقود بُسطاء لجنة لا يرونها، ولا تجب عليهم رؤيتُها، فهم مُكَلّفون بما يستطيعون فقط، أي الطاعة! وفي عدة مناسبات، ينبِذ جوبز شخصاً ممن حوله بسهولةِ رميِ علكةٍ انتهت نكهتها. إذا سألنا “هل من الافضل أن يُهاب القائد أو يُحب؟”، فإن الفيلم يجيب أن جوبز اختار هيبة القائد، وربما كان جوبز كذلك. (طبعا ذلك السؤال الدارج فيه مغالطة التقسيم الخاطىء.)

أخيراً، وفي مبالغة درامية أخرى لامتاع المشاهد، يَظهرُ البطل عارفاً لهدفه وكيف يصله من أول خطوة، ويتّجه لهدفه برشاقة وثقة. هذه الصورة تكررها هوليود في أفلام الحركة، فالبطل يهرب من مُلاحقيه برشاقة وثقة العارِف، ولا يُظهِرُ جُهداً لاستكشاف المكان، بينما سياق الفيلم يقول أن البطل غريبٌ على أزقّة تلك الحارة المزدحمة والضيقة. يبدو اننا (كبشر) نستلذ صورة البطل المُلهَم المُسدَّد.

نعلمُ أن الواقع مختلف، فذلك البطل الهارب سيستكشف الحارةَ الغريبةَ كما يفعل فأرٌ في متاهةٍ بمختبر، وسيدخل خطأً طُرُقاً مسدودة ويغيّر مساره مراراً، وهذا ما نفعله نحن البشر (ومِنّا القيادون) سعياً لاهدافنا في متاهة الحياة. بل حالنا اشد صعوبة من متاهة بمختبر، لأن متاهاتنا تتغير دروبها دوما، وما اعتبَره قياديٌ درباً خاطئاً (او العكس) قد يصبح سليما لتغير الاقتصاد او التقنية او المنافسة الخ. جوبز لم يكن يرى (أبداً) أبل اليوم، بل كان (مثلنا) يتصرف كما يسميه البرمجيون بالاستكشاف (Heuristics)، أي أن نقيّم الخيارات التي يفرضها الواقع، ثم نتحرك حسب الخيار الافضل قيمة، ونكرر اللعب. النتيجة ستكون حصيلة قرارات منفصلة، وليست حصيلة خطة قديمة (للمنتجات والاسعار الخ) ينفذها القيادي لسنوات.

ما يميز جوبز وغيرَه من المؤسسين الناجحين لشركات تقنية عملاقة (مثل بيل جيتس ولاري إلْسون) هو أن هؤلاء تعلموا من أخطائهم بسرعة السوق. فيلم جوبز يهمل تجربة تعلم جوبز، ويتجنب نقده، ربما بسبب شروط عائلة جوبز، أو لأن الجمهور يتوقع عرضاً إيجابياً لجوبز الآن. إن عمق تجربة الخطأ والتعلم واضحة عند جوبز، فأبل التي تركها بعد عزله كانت ستيف جوبز، وأبل التي تركها بعد موته هي بيكسار.

ان محتوى فيلم جوبز اقل من اعمال قديمة مشابهة، كـ Pirates of the Silicon Valley (عن قصة شركتي الحواسب المنزلية الامريكيتين ميكروسوفت وأبل) و Micro Men (عن قصة شركة الحاسب المنزلي البريطانية سنكلير)، فهذان العملان مثلا، ورغم قدمهما، أفضل من فيلم جوبز.

21سبتمبر

ترجمة: لبنان، الحشيش والحرب

هذه ترجمة لمقاطع من كتاب مارتن بُوث “القِنَّب في التاريخ” عن تاريخ نبتة الحشيش:

كان لبنان المزوِّد الاخصب للحشيش بالمنطقة في الستينات والثمانينات، رغم الحظر الرسمي للحشيش. كان الحشيش اللبناني يُميَّز بتعبئته في اكياس بيضاء من القطن او الكَتّان، وتُختم الاكياس بعلامات تجارية بسيطة كالاسد او النجمة والهلال او شجرة الأرْز، وعلامة الأرْز مثّلت أفضل حشيش عند الغرب وعرفوه بالذهب اللبناني.

منذ بداية الخمسينات، كان لبنان وسوريا ينتجان معاً ٣٠٠ طن حشيش سنويا، بينما كان المستهلكون من السكان أقل من ١٪ في ١٩٧٦. كما كان شائعا في المجتمعات الاسلامية، لم يدخن الحشيش الا الرجال، وكانوا يدخنون بالنارجيلة وفي السر.

منطقة الزراعة الرئيسة كانت وادي البقاع، حيث أقامت عشائر الدنادشة [الشيعية] مجتمعا زراعيا. حدثت محاولات في منتصف الستينات لجعل الدنادشة يزرعون محاصيل بديلة كعبّاد الشمس، ولم يتحمس المزارعون. حتى مع دعم الاسعار، فضلوا القِنَّب الذي استهلكت زراعته جهدا ومالاً أقل. استمرت الزراعة، أحيانا بين حقول نبات عبّاد الشمس الطويل الذي ستر المحصول الحقيقي عن الجميع الا المراقب من الجو.

تجارة الحشيش محلياً و (الاهم من ذلك) للتصدير أكسبت عدة فصائل دينية وسياسية أموال كثيرة، في بلد كان مقسَّما إجتماعيا وعرقيا. عندما اندلعت الحرب الاهلية بين المسلمين والمسيحين في ١٩٧٥، كان عند الجماعات المقاتلة عتاد حربي كبير. وبعدما سيطرت الحرب وانهار الاقتصاد، صار الحشيش مصدر الدخل الحقيقي الوحيد. زراعة الحشيش صارت عمليّاً البند الوحيد في الناتج المحلي الاجمالي، وموّلت تجارة السلاح والقتال.

كان التصدير اساسيا، وجزءٌ مُعتَبرٌ منه ذهب لمصر. والكثير هُرّب للغرب، خاصة أوروبا. مزارعوا القِنَّب الشيعة (وهم من المتعصبين للاسلام) كانوا ايضا يبيعون الحشيش لاسرائيل، العدو المقاتل لرفيقهم حزب الله، الجماعة العربية المسلحة التي حاربت سعياً لدولة فلسطينية عربية.

وكشف مقال في صحفية التايمز في ١٩٩٦ خطة للموساد الاسرائيلي لشراء حشيش لبناني وتوزيعه في مصر بعد حرب الايام الستة عام ١٩٦٧. رُمِزَ للعملية بـ لاهاڤ (أي الشفرة)، وباعت حشيشا لتجار مخدرات مصريين قرب قواعد للمجندين. كان الغرض إضعاف الجيش المصري. واستمرت عملية الشفرة طوال الحرب الاهلية اللبنانية وبعد انتهائها (في ١٩٧٩) بفترة، وبالتالي كانت اسرائيل مسئولة عن تمويل الجماعات المقاتلة قبل بدء الحرب الاهلية، واطالة تلك الحرب، و (بشكل غير مباشر) تمويل القتال جزئيا، و (في نفس الوقت) العمل في تجارة المخدرات الدولية، مخالِفةً الاتفاقية الوحيدة للمخدرات من الامم المتحدة. ولأن اسرائيل اختارت إهمال عدة قرارات من الامم المتحدة بالنسبة لحقوق العرب الفلسطينين، وتجاهلت اتهامها باعتداءات وحشية ضدهم، فإن اهمال الاتفاقية الوحيدة لم يكن امرا عظيما.

في ١٩٧٠، مثّلت افغانستان ٣٠٪ من انتاج الحشيش العالمي، ولبنان ٢٥٪، وباكستان ٢٠٪. وبعد عشر سنوات، اظهرت الارقام ان لبنان اعطى ٣٥٪، يتبعه باكستان (٢٥٪)، ثم المغرب (٢٠٪).

25مايو

محاولة للعودة للكتابة

انقطعت ُعن الكتابة منذ سنتين، و قبل ذلك كانت كتابتي موسمية وتحمل سمات الحوليات. أظن ان لذلك عدة أسباب، منها:

١) ضعف لياقة الكتابة: الكتابة من العضلات الضعيفة عندي، والتي لم ادربها لممارسة مستمرة. بل (إمعانا في التشبيه) يبدو أنني نمّيت قدرة الكتابة كعضلة بيضاء، تنفع الأعباء الثقيلة والقصيرة، بينما عليّ التدرب على كتابة خفيفة متصلة!

٢) هاجس الإتقان: انا ممن مارسوا التدوين (خطأ) كالنشر في دورية محكَّمة، وهذا التحريف (الذي تسرب أحيانا حتى للتدوين القصير في تويتر) قد يُنتِج أعمالا كثيفة متقطعة، وذلك يناقض التدوين كإنتاج خفيف متصل. من أعراض تلك الحالة اني راجعت وحررت عدة مقالات نحو ١٠٠ مرة قبل النشر. اعرفُ هذا لأن عدّاد القراءات يكون قرب المائة وقت النشر.

٣) سوء إدارة الوقت: أي سوء إدارة الحياة.

هدف الكتابة عندي هو الإنتاج. هذه المدونة لا تسعى لتغيير العالم (ولا تتجنب ذلك الدور)، بل نيّة صاحبها هي الكتابة كسلوك إنتاجي فقط. ولإسعاف هذه المحاولة الإنتاجية، سأحاول:

أ) التدوين القصير الخفيف، وان اكتفت التدوينة بفقرة واحدة.
ب) التنويع حسب تقلّب هاجس الكاتب، وذلك توجهٌ قديم للمدوَّنة.
ج) تجنُّب انتقاء المواضيع، والكتابةُ عن هاجس اللحظة، دون التركيز على كتلة جمهور معينة.

هذا هو “عمود” المدونة المرجو، ومراعاته قد تنتج تدوينات كثيفة و أخرى لا تتجاوز كونها:
– ملاحظة طرية على رأي أو تطور ما.
– نقل لرأي (كقصاصة من كتاب) لمن يهتم به ويريد تتبعه، مع هامش نحيل.
– مطالعة لمقال أو كتاب.

4أكتوبر
Fusion Band

دمج شرقي

تجذبني موسيقى الدمج، وخاصة الدمج الشرقي (oriental fusion)، واظن ان هذا النمط عانى من قلة الاعمال الجميلة و قلة اهتمام الجمهور. موسيقى الدمج تصهر عدة انماط موسيقية معا، وانا اهتم فقط بالدمج بين موسيقى الشعوب كعمل جمالي يزاوج عدة ثقافات، واهتمام هذا المقال هو عرض نماذج لدمج الموسيقى العربية بالغربية.

تقديم

الشرق هو صندوق العجائب الذي لا يُحسن الغربُ تركَه. سطوة هذا الطلسم الشرقي تتسع للموسيقى، والتوابل التي تكاد تجعل الكاري طعام بريطانيا الوطني، والعقائد التي جعلت ستيف جبز يفكر في الاعتكاف كراهب بوذي بدل تأسيس أبل، وكل شيء..

البريطاني Ron Goodwin هو مثال لمن سكنتهم روح الشرق، لتعزف اوركستراه للرحابنة في ألبومه Salute to Lebanon (١٩٦٢)، وتصبح قراءته لـ”بكرا بيجي نيسان” أحد أجمل المقاطع العالمية:

وعلاقة الغرب بالموسيقى العربية أوسع من عزفها (كتجربة Ron Goodwin) أو دمجها (كما سنعرض لاحقا)، فالموسيقى العربية دخلت أوروبا مع الأمويين لتظل هناك. انتفض الاسبان ضد بعض آثار العرب، و أغلقوا حمامات الاستحمام انكارا لبدعة الطهارة، لكن الموسيقى العربية احتمت بالقصر والكنيسة، ثم ساهمت بروحها للفلامنكو، والفلامنكو تفضل “قيثارة” الاندلسيين التي حرّفها الاسبان لـ”جيتار”. نبض الموسيقى العربية باق بالفلامنكو، كهذا المقطع للالماني Govi:

موزار المصري

قد يكون الفرنسي Hughes de Courson أكثر من بذل للمزج الشرقي، وقدم البومين (في ١٩٩٧ و ٢٠٠٨) ضمن مشروع يقارب الموسيقى الشعبية المصرية وموزار. في عمليه الرائدين، شارك عازفون مصريون مهمون (كعبده داغر) والاوركسترا البلغارية.

في صغره، رفض والداه ان يصبح موسيقيا، لكنه برع في الموسيقى الشعبية الفرنسية وتوسع لموسيقى الشعوب. مكّنته جائزة ليوناردو دافنشي من قضاء ٣ سنين لتعلم الموسيقى بمصر واليمن وسوريا واسرائيل وتركيا ودول متوسطية. ولأنه علّم نفسه الموسيقى، لم يستمع للموسيقى الكلاسيكية قبل سن ٤٥، ورغم ذلك كان البومه “موزار المصري” أحد أكثر الالبومات مبيعا بفيرجن كلاسيك، وانظم مزجه للـ ”السيمفونية المصرية رقم ٢٥ لموزار” لأجمل المقطوعات:

انت عمري

ماردو النور ذو سيرة مدهشة، فهذا العراقي النيوزلندي هجر الطب لانتاج الموسيقى والرسم والتصوير. ومع انه لم يكتب نوته من قبل، وقّع عقدا مع EMI لتوزيع البومه الاول بعد ٦ شهور، وتوالت مفاجآت قدَره في الرسم وانتاج الافلام ايضا.

رغم ان ماردو انتج ٤ البومات، كانت “انت عمري” الابرز دائما، وتبدو كفخ لا ينفذ منه، وكأنها “الخبز الحافي” التي نذر محمد شكري عمره للتفوق عليها! ماردو اعاد خلق “انت عمري” من طين الغرب، ثم نفخ فيها من روحه الشرقية:

بهو الشاه

أنتج اللبناني جان معوض لسيد مراد، لكن البومه Shah Lounge يقدم رؤية أرقى لموسيقى الدمج، وفيه قدم أثنتين من أجمل أعمال المزج الشرقي: Ain't No Sunshine و Perhaps, Perhaps, Perhaps.

غنى بيل ويِثَرز Ain't No Sunshine (لا اشراقة شمس!) في ١٩٧١. بعدها بعام، غناها بتفوق مدهش صبي في الثالثة عشر يدعى مايكل جاكسون. معوض صَهَر Ain't No Sunshine في قالب شرقي جميل:

ألّف الكوبي Osvaldo Farres أغنية “Quizás, Quizás, Quizás” بالاسبانية في ١٩٤٧، ولم يكن قد قرأ أو كتب نوتة موسيقية آنذاك، ثم انتقلت للانجليزية (Perhaps, Perhaps, Perhaps) وانتشرت بسرعة بين المغنين والافلام بعدة ثقافات. وقد تأثر بها موسيقيون عرب مبكرا، فاستوحى منها الجزائري عبدالحكيم جرامي أغنية الراي “شهلة العياني” في ١٩٥٨. وحديثا، اقتبس منها جان ماري رياشي اغنية “بالعكس”.
معوض لم ينقل الاغنية للعود، بل اعادها له، ليقدم قراءة شرقية تنافس الاصل:

ابن السبيل الحافي!

في ٢٠٠٥، أسس العازف والمغني الاميركي برينان جيلمور وعازف العود التونسي رياض الفهري فرقة قنطرة، بمشاركة آخرين من البلدين، فظهرت فرقة تمزج بين الثقافتين: الموسيقى العربية وموسيقى ريف الشرق الاميركي. في البوم “قنطرة” الوحيد، تبرز أغنية Wayfaring Stranger:

“لما بدا يتثنى”، على ثلاث قراءآت

أحب موشَّح “لما بدا يتثنى” و (خصوصا) تجسُّداته في موسيقى الدمج، كهذه:

- قراءة Hughes de Courson:

- قراءة جين ماري رياشي:

- قراءة اللبناني شربل روحانا:

ما بعد الفن!

من قرية المفتاحة التشكيلية بعسير الى مزاد كريستين، صعدت آعمال التشكيلي السعودي عبدالناصر غارم بتنوع أساليبها وجرأتها وشحنتها الثقافية، لتشمل انجازاته أعلى سعر لعمل فني عربي.

لعبدالناصر تجربة موسيقية جريئة ومغمورة، سمّاها Post Art، وهي ٦ مقطوعات تقارِب بين الجاز والموسيقى الشعبية بعسير، هذه أحدها:

من لطف الله أن كمال صليبي لم يعرف Post Art! غوى عبدُالله بن خميس كمالَ صليبي بمعاجم جغرافية الجزيرة العربية، فكتب صليبي ان “التوراة جاءت من جزيرة العرب”! ولو عرف صليبي Post Art لقال ان “الجاز جاءت من جزيرة العرب”!

17سبتمبر

الانضباط هو عائق السعودة الاول

إنضباط الشاب السعودي هو عائق السعودة الاول، وليس المعرفة الاكاديمية أو المهارة الحرفية. و الانضباط (discipline) هو عائق الانتاجية الاول في الشرق الاوسط، وهو سبب تخلفنا الانتاجي – الابداعي مقارنة بالمناطق الاخرى في العالم. الشعوب الاكثر انتاجا ليست أكثر ذكاء، فالذكاء لا يصنعه المكان او الجنس او العقيدة، بل هو مادة خام موجودة بكل دولة بما يكفي حاجتها التنموية. ثم ان المؤسسات (كالدول و الشركات) لا تحتاج الا القليل من الاذكياء المنضبطين في المهام الابداعية (كالقيادة و الابحاث والتطوير)، أما اغلب العاملين فلا يحتاجون سوى الانضباط لتشغيل المؤسسة بكفاءة. الانضباط هو العامل المشترك بين كل الدول العالية الانتاج، وليس انخفاض الفساد و البيروقراطية أو ارتفاع الديموقراطية و الليبرالية.

الانضباط هو ان يتحمل الفرد مسؤولياته بلا تقصير وصلاحياته بلا تعدي، ويشمل ذلك (ضمنا) الالتزام بمسؤوليات وصلاحيات الاخرين في المؤسسة، دون الخلط بين دوره في المؤسسة و خارجها. هذه هي القيمة الاساسية التي تزرعها المجتمعات المنتجة في افرادها، من البيت للجامعة، فيحملها الفرد للوظيفة. واذا وجدت المؤسسة عجزا في مهارات الفرد فان انضباطه يعينها على رفع مهارته، فسيقبل النقد ويبذل جهدا في التعلم. وسواء كنا في المؤسسة أو البيت، فاننا نفضل المنضبط القليل المهارة على الماهر القليل الانضباط.

اعراض ضعف الانضباط تظهر في مرحلتين: البحث والعمل. نسبة البطالة بالسعودية هي حوالي ١٠٪ (في الاحصاءات المحافظة جدا)، ولا تكاد تخلو عائلة من عاطلين وعاطلات، لكن قلة من هؤلاء يبحثون عن وظائف باصرار. تجتذب بعض الوظائف اقبالا واسعا، كما تؤكد مشاهد محزنة، لكني اظن ان ذلك العدد هو نسبة قليلة من مجموع العاطلين الصالحين لتلك الوظائف، وهي وظائف تقبل خريجي الثانوية أو أقل، وهم كثيرون افقدهم ضعف انضباطهم (وليس ذكائهم) اكمال تعليمهم. اما في الوظائف المتخصصة، فالوصول للسعودي المناسب يحتاج شهورا من البحث. (من الطريف ان يلجأ سعودي في الرياض لبريطاني في لندن ليجد سعوديا في الرياض.) اعترف بوجود عوامل اخرى، فالتعليم لا يكسب الطالب مهارات التقدم للوظائف، واكبر اسواق الوظيفة بالخليج (السعودية) تفتقر قواعد بيانات وظيفية، كما تفتقر التدريب المتخصص، لكني أرى ان الانضباط يستطيع التغلب على هذا الوضع.

الانضباط هو اهم ما قدمت جامعة الملك فهد و معهد الادارة لمخرجات التعليم، و ما نريده من كل المؤسسات التعليمية هو تعزيز ثقافة الانضباط بصرامة. من المؤسف ان نحمِّل مرحلة التعليم الاخيرة (الجامعات والمعاهد) كامل مسؤولية اصلاح السلوك، وجعله هدفا يسبق المهارات الاكاديمية، لكنها تبقى صمام الامان الاخير قبل سوق العمل. من نواقص هذا الخيار أن الكثير من السعوديين يكتفون بالشهادة الثانوية أو اقل، وغياب التشديد على الانضباط في البيت و المدرسة يحرم هؤلاء من تطوير سلوكهم و يثقل المسؤولية الاجتماعية التي نحملها الجامعات والمعاهد.

بلا شك، نتيجة تمدننا الطارىء هي خليط صعب من التقدم والانتكاسات القِيَميّة، وانضباط الفرد هو احد القيم المتضررة. لنأخذ قريتي البحرية – الزراعية بجوار الخليج كمثال. البحار والغواص عرفا ان التهاون يكلف الحياة، و الغوص مؤسسة تراتبية بانضباط العسكر. اما الزراعة فاعتمدت على حضور المزارع قبل ظهور الشمس واهتمامه المضني بالمحصول والحيوانات طول العام. كما ان الزراعة هناك كانت اقطاعية في الغالب، فالمزارع لم يملك الارض، بل سكنها وادارها مقابل كمية محصول التزم بها للاقطاعي، وقد يخسر مزرعته (اي دخله وسكن عائلته) اذا اخل بالشروط او قدم مزارعٌ آخر التزاما أعلى. اذن، الانضباط ضرورة في البحر و المزرعة، وحدود المسؤوليات والصلاحيات جزء منه. وفي كل الاحوال، لم يتوقع او ينتظر الفرد حلولا لمشاكله من الحكومة أو غيرها. هذه القرية الجميلة الطاهرة تواجه اليوم (كغيرها) تبعات الفقر والجهل، فكثير من شبابها هم خارج اقتصاد بلدهم (وهو أكبر اقتصاد بالشرق الاوسط)، اما لانهم لا يعملون، او يعملون باجور تبقيهم تحت خط الفقر. هؤلاء السعوديون يتكئون على حيلَتي الضعيف: الشكوى و الرجاء.

قيم الانضباط نفعت (وان لم تكف) الاجيال الاولى التي عملت بالمؤسسات الحديثة، لكنها لم تنتقل لاجيال لاحقة. كان الانضباط قيمة يتعلمها الفرد من مجتمعه، فصارت صفة نادرة ضد التراخي العام. اظن ان سبب انتكاس الانضباط هو دخول (وطريقة دخول) الدولة كمستثمر شريك في مشروع تنمية كل شاب، بعد ان كان يحدد مصيره بموارده وظروفه المرتبكة. كممول، شاءت الدولة ان تكون شريكا في الارباح ( أي قصة النجاح)، ففهم الناس انها (ايضا) شريك في الخسائر. فعندما قالت انها سبب التوظيف، فهم الناس انها سبب البطالة ايضا. كما ان عقد الشراكة يُنفّذ بتساهل يحمّل الدولة مسؤوليتي التمويل والنتائج، وتعفي الشاب من المسؤولية بجعله متلق سلبي. يجب على أي حل لهذا المأزق ان يشدد على ان الشراكة مشروطة بالتزام، والاستثمار محدود بنتائج الالتزام. ان وصاية البيت والدولة المسرفة على الاجيال الجديدة اتلفتها، واتلفت البلد.

اغلب دوافع استيراد العمالة خاطئة، ولا يخرجنا من وضعنا الهالك – المهلِك سوى التزامات صلبة من كل الاطراف. لكن القيمة الحقيقية التي نستوردها في العمالة هي الانضباط، فالميكانيكي يتعلم اصلاح سيارة يراها لاول مرة وبعبء قليل على مؤسسته، لأنه يعتبر اتقان الصنعة شرط بقاء، وهكذا يفعل المبرمج والمهندس. قِيمهم تحملّهم وحدهم مسؤولية بقاءهم ونجاحهم، فهم لا يتقنون اللجوء للغير لانهم لم يعرفوا في حياتهم من يلجأون له.

10أغسطس
the99

ابطال رسوم الاطفال والشخصيات الدينية

ابتكر نايف المطوع شخصيات خارقة للاطفال تقابل سوبرمان وغيره، وفكرته هي الـ ٩٩ شخصية (بعدد اسماء الله الحسنى) التي تشكل فريقا بطوليا يحاول تقديم قيم اسلامية ايجابية للجميع. حاز هذا العمل السبّاق اهتماما عالميا واسعا، فامتدحه الرئيس اوباما وحصل على عدة جوائز.

في بداية تعريفه بالـ ٩٩ لجمهور TED، ذكر المطوع ان شخصيات خارقة اقتبسها مبتكروها من التراث الديني، واعطى الامثلة التالية:

– باتمان وسوبرمان اقتبسهما يهوديان من التوراة.

– مثل الانبياء، فقدَ الابطال الخارقون آبائهم، فوالدا سوبرمان ماتا قبل اكماله السنة، و باتمان فقَد والديه قبل السادسة، و سبايدرمان ربته عمته.

– كما تلقى الانبياء رسالاتهم من السماء، فان كل الشخصيات الخارقة أخذت رسائلها من الاعلى. تلقى سبايدرمان رسالته بلسعة عنكبوت هبط له في مكتبة، و باتمان نزل له خفاش وهو في غرفة نومه. اما سوبرمان فانه لم يُرسَل من السماء فقط، بل أرسِل وهو رضيع داخل قذيفة، وكأنه موسى يُترك في النهر، وقال والده عند ارساله: “ارسَلت لكم ابني الوحيد”، في مقاربة لصورة عيسى في المسيحية.

والد سوبرمان  يرسله للارض في قذيفة

ملاحظات المطوع صحيحة، لكن نتيجته خاطئة. ابطال رسوم الاطفال يشبهون الشخصيات التوراتية، لكنهم لم يُقتبسوا (بالضرورة) من قصص الانبياء. ان كل الابطال (في القصص الديني وخارجه) تتشابه صفاتهم، ورحلتهم البطولية (من الميلاد حتى النهاية) تمر بمفاصل متشابهة، لا تخرج عن ذلك قصة نبي في كتاب مقدس أو مجرد غزال في أسطورة أفريقية قديمة. ما يبدو شخصا أو حدثا خاصا هو قطعة من نسيج حاكه واستلذه كل البشر في كل الازمنة، فهو بقِدَم ذاكرة البشر، ولو سألنا والتر بركيت لربما اقسم ان صورة وسيرة البطل ورثهما الانسان من جينات اجداده!

في كتابه الشهير “البطل ذو الألف وجه“، درس جوزيف كامبل اساطير البطولة لدى الشعوب، ولاحظ تشابهها. مثل هوليوود (شيخ حكواتية زماننا)، تُسمعنا تلك القصص ما نحب، لانها (هي ايضا) تريدنا ان نتلقاها وننقلها بشغف دائم. لم تأخذ بطولاتُ هوليوود ورسومُ الاطفال فكرتها من الكتب المقدسة، بل ان الجميع رجع لنسق البطولة المحفوظ في اللاوعي الجمعي للبشر، كما اقترح كارل جونك الذي تأثر به كامبل.

وضعُ سوبرمان الرضيع في قذيفة هو نسق متكرر في أساطير البطولة يسميه كامبل “نفي وعودة الرضيع”. هذا موجز لأمثلة قدمها كامبل، مع تعليقات مني:

١) الملك سرجون الاكادي (٢٣٠٠-٢٢١٥ ق م): القائد الشهير هو ابن امٍ وَضِيعةٍ وأبٍ مجهول، وأخفت والدته حمله وولادته عن بطش الملك، وتركته في سلة بنهر الفرات، ثم التقطه عامل بقصر الملك، فتربى في القصر وكبر ليغلب الملك.
كُتبت اقدم نصوص التوراة نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي ان قصة سرجون سبقت التوارة بنحو ١٣٠٠ عام.

٢) شاندراجوبتا (٣٤٠-٢٩٨ ق م): مؤسس سلالة موريا الهندوسية هو ابن خطيئة لام وضيعة واب نبيل، وقد تُرك في جرة عند حظيرة بقر، ليكتشفه راع ويربيه.
آنذاك، لم تعرف الهندُ اليهوديةَ لتتأثر بها.

٣) البابا جرجوري (٥٤٠-٦٠٤ م): ابن خطيئة من توأمين نبيلين. وضعته أمه في تابوت والقته في النهر، ثم التقطه ورباه صيادون.

وفي هذه الامثلة (وغيرها) يعيش البطل بلا أب (ولا نسل)، لان اباه ميت أو مجهول، فدور الاب في سيرة البطل لا يتجاوز الاختفاء بعد تقديم البطل للوجود.

و لحظة تلقي الرسالة (التي اشار لها المطوع) هي من اهم مشاهد سيرة البطولة. يأتي نداء البطولة من السماء، كما تأتي الهداية (بالنور والنجوم) والحياة (بالشمس والمطر) والغضب، فالرب هو “العالي” كما سماه اهل الهلال الخصيب، و هو من ارتبطت المرتفعات بمعابده وعبادته. و يزيد كامبل، عادة ما تُبلغ الرسالةَ قُوةٌ مجهولة ومخيفة، و ينكرُ البطلُ الامر ليعود لحياته القديمه، لكن تظهر علامات تؤيد البلاغ فيقبله. ويستعير كامبل اقتراح فرويد بان كل لحظات التوتر تعيد خلق المشاعر المؤلمة للحظة الانفصال عن الام (كضيق النفس واحتقان الدم)، فكأن البطل يواجه “أزمة ولادة” للانفصال عن جسد حياته وقبول سيرة جديدة.

أخذ كامبل من جيمس فريزر عالمية النموذج الاسطوري، ففريزر كان المرجعية المؤثرة لدراسة الاساطير والطقوس العالمية، ففرويد (مثلا) استند على فريزر في كتابه الشهير “الطوطم والتابو“، بل ان مادتي “طوطم” و “تابو” كتبهما فريزر للموسوعة البريطانية. وقد دفع فريزر لتخصصه استاذُ اللغة العربية في كامبردج روبرتسن سميث، الذي وظف اتقانه للغات الساميّة و التوراة واعمال فريزر لدراسة الاسطورة والطقوس في السياق السامِيّ، فقدم اعمالا أهمها “ديانة الساميين”، وليتنا نترجم كتابه عن الزواج والقربى عند عرب الجاهلية (“القربى والزواج في الجزيرة العربية المبكرة”)، فسعة اطلاعه وحضور رأيه يستحقان العرض والنقاش. ان غياب نسخة عربية سمح لـ”اقتباسات” كبيرة (باسلوب الاستعارة المنتهية بالتمليك!)، كما فعل اسماعيل أدهم في “من مصادر التاريخ الإسلامي” مستغلا (كغيره) حداثة اتصالنا بآراء الغرب والفجوة التعليمية الكبيرة في العالم العربي آنذاك.

بحَث المطوع عن شخصيات الرسوم في الكتب المقدسة، وهذا خيار سهل له وجمهوره، ونتيجته تجعل الـ ٩٩ بديلا اسلاميا لشخصيات يهودية و مسيحية. كما ان حديث المطوع يأخذ لأبعد من رسالة الحب التي أرادها، ففينا من سيفهم ان شخصيات الرسوم تبشر اطفالنا لاديان أخرى، فنبدأ حربا مقدسة كرتونية جديدة. لكن المطوع أخطأ، فسيرة البطولة أقدم و اوسع من الكتب المقدسة، فكل شعب نسج بطله، و إذا بهم يرسمون بطلا واحدا بالف اسم.

19يونيو

حوار إعجازي

Rakan: What we see today in our solar system is nothing more than the result of a collapsing cloud of dust and gas .. order from chaos!

ع: لِمَ يُذكرني هذا بقوله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”؟

علي: قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ. هل يعني ان الارض كانت موجودة في تلك اللحظة من الكون؟

ع: هذا من باب قوله للشيء كن فيكون. أي شيء تريد أن توجده أنت كشخص يكون لديك كفكرة في نفسك ثم توجده في العالم الحقيقي.

علي: اي ان الدخان حقيقة والأرض فكرة. على اي اساس اخترتَ كلمة معينة في النص واعتبرتها فكرة او مجازا؟ هل لأنك بعد ١٤٠٠ اقتنعتَ بفكرة معينة واحتجتَ ان تؤل النص لتحميه منها؟ لماذا لا يكون الدخان مجازا والأرض حقيقة؟ وما رأيك ان نعتبر كل شئ مجاز ونريح انفسنا وكل الأجيال القادمة من لعنة العلم؟

ع: لا ليست مجازًا، إذا كنت تتكلم عن خالق كل شيء :) فهمها من تكملة الآيات بعدها “فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ…”، يعني أن إيجاد السموات والأرض كان بعد ما حصل في الآية السابقة.

علي: اظن ان هناك لغتين (او لسانين) للقرآن اليوم: لغة الفقهاء ولغة اصحاب الاعجاز (او الخيال) العلمي. يحاول الفقيه فهم كلام الله بفهم كلام البدوي في الصحراء، ويخضع النص لسيبويه (النحو) والخليل (القاموس)، ولا مكان هنا لـ “ادنى الارض” بمعنى “اهبطها” او “دحى” بمعنى “كوّر”. هذا كله عبث.
‎أما لغة الاعجازيين فتهمل ذلك الانضباط لانه يعيق تحركهم، وتفضل لغة مائعة يذوب فيها الزمان والمكان وقواعد اللغة والمعجم لصالح الاستعراض الذي يريده لاعب السيرك. وفي حين يُخضِع الفقيه لغة الخالق لشعر البدوي، يفضل الاعجازي اخراج صاحب النص (والنص) من المكان والزمان ويجرده من كل قوانين وقيود الكون، ليعطيه صلاحيات مطلقة تنتقل لمفسر النص نفسه. الفقيه يقيد صلاحياته بتقييد لغة النص بلغة البدوي، والاعجازي يحرر نفسه (لدرجة الاباحية الفكرية) بتحرير صاحب النص.
‎اسمح لي ان اطبق لغة الفقهاء الاكثر مسئولية على ذلك المقطع القرآني، وسارتب احداث الخلق من الاية التاسعة:
‎٩) خلَق الارض في يومين.
‎١٠) جعَل فيها رواسي وقدّر اقواتها في اربعة ايام.
‎١١) ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها.
‎ترتيب الاحداث يقول ان الله خلق الارض والجبال اولا، (ثم) استوى إلى السماء وكانت دخان. وهذا يناسب فهم ان الارض كانت موجودة (وليست مشروعا مستقبليا) اثناء مخاطبتها في الاية ١١.

ع: لست ممن يتبَّع بعض “خيالات” الإعجاز العلمي، لكن عندما يكون الأمر واضحًا ومنطبقًا مع ما اكتُشف عندها أصدق به. وارتباط الدخان بمرحلة الخلق ينطبق مع ارتباط الغبار الكوني بنشوء الأجرام السماوية.
‎بالنسبة للآيات التي تسبق الآية المذكورة فاعذرني فربما خانتني الذاكرة في ردودي السابقة، لكن التفسير ما زال قائمًا حتى مع وجود الترتيب المذكور. خلَق الله الأرض، ثم جعل فيها رواسي وقدَّر أقواتها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان (أي أنها كانت واستمرت على كونها دخان). وربما أرجِع هنا إلى تفسير قديم هو تفسير الطبري (والذي يعد من أقدم التفاسير الموجودة). يقول في تفسيره لهذه الآية:

وقوله: “فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” يقول جلّ ثناؤه: فقال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما، أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات، وتشقَّقِي عن الأنهار

‎فالتفسير يؤيد نشوء الشمس والقمر والنجوم عندما كانت السماء دخانا.

علي: دعني استرسل اكثر يا سيدي ع،
‎وجود الارض حين كانت السماء دخانا يتعارض مع معارفنا الحالية، فهو يعني ان الارض هي اقدم اجرام الكون. وانا لا اجد دافعا (سوى التعاطف) لفهم مختلف للنص، فالنص يرتب احداث الخلق بوضوح.
‎تسلسل الاحداث (وتلاعب الاعجازيين به) ليس هو السؤال الوحيد، فتفسير السماء بالكون والدخان بالغبار الكوني هي حيل اخرى تستحق حديثا اطول.

ع: ترتيب أحداث الخلق فيه اختلاف بين المفسرين أنفسهم، حتى أن الرازي في تفسيره يؤكد وجود الخلاف:

قوله “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ” مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى: “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” [النازعات:30] مُشعِر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء في هذه المسألة.

‎فالمسألة فيها اختلاف قبل حدوث الاكتشاف العلمي أصلاً. وفي الآيات المذكور فيها الدخان ليس هناك إشارة إذا ما كان الدخان قد انتهى بعد أمر الله للسموات والأرض أن تأتيا طوعًا أو كرهًا. وقد يفهم من الآيات أن الله خلق جزءًا من السماء قبل خلق الأرض ثم عندما خلق الأرض قال لها وللسماء “اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً”.
‎أما عن كون الدخان هو الغبار الكوني فلعلك تنظر إلى صور مثل هذه وتحكم بنفسك:

‎هذه تسمى أعمدة الخلق (Pillars of Creation) على فكرة :)
‎من وجهة نظري الشخصية (وربما يتفق معي البعض فيها) أن تفسير الآيات التي تحتمل لغويًّا أن تُفسر بطريقة أخرى (ليس عن طريق التلاعب بالتأويل بل عن طريق البحث اللغوي المتضمن لما يحتمل وما لا يحتمل التأويل) ويُكتشف فيها اكتشاف علمي دقيق ومؤكد قد يغير (أو يحسم الخلاف) من فهمنا لبعض الآيات القرآنية المتعلقة بالمظاهر الحسية. إذ فهم الناس في عصر ما يتأثر بما توفر عندهم من أنواع المعارف.

علي: سمعت انك لا تمل من الجدال، لكني لم اتوقع ان حالتك اصعب مني!
‎ليس هناك ما لا يختلف فيه المفسرون، وقصة الخلق ترد في القرآن بصيغ مختلفة لا يخدمها تهافت التفسير. وعلى عكس البعض، لا اعتبر هذا مجالا للتعددية الخلاقة، بل هو مصدر لمتاعب مزمنة، لكن الانحراف لمسألة التفسير لا يتحمله ضيق صدر مجلسنا.
‎ان توظيف الاديان للعلم (كشاهد شاف كل حاجة) هو موطن آخر للتساؤلات. فهل يحتاج الثابت شهادة المتغير؟ أم هو من باب ليطمئن قلبي؟ وما قيمة شهادة اي متغير؟
‎ان الصيغ التي تمارسها الاديان للتضامن مع العلم تسيء للطرفين، فالعلم المتعاطف مع الاديان ليس علما بل نكتار علم (١٠٪ علم)، لان الاديان تختار متى يتحدث أو يصمت العلم، و تزخرف نسخا (منقصة ومنقحة) من العلم.
‎وتلك الصِيغ تضر الدين، لانها تنقل النص المقدس من المتن الى الهامش، وتنقل العلم من الهامش للمتن، اذ يصبح المقدَّس شاهدا على متن العلم. ان النصوص المقدسة اليوم تسير مع العلم حيثما سار، وتتلون معه، وميوعة التفسير هي سند عظيم لهذا التلون.

ع: ربما لتكويني الأشعري أثر على حبي للجدال :)
‎هناك ما هو معلوم من الدين بالضرورة كأركان الدين والأحكام الأساسية، وهناك ما يظهر الاختلاف فيه. منذ القدم كان علماء التفسير يجمعون بين حقائق الطبيعة وصيغ الآيات القرآنية، ربما لأن إيمانهم كان أقوى بأن منزل القرآن هو خالق الطبيعة، وهو ما يجعل التعارض مستحيلاً.
‎لست ممن يحاول أن يوفق بين الدين والعلم الطبيعي قسرًا، ولكن في بعض الأحيان تتضح معاني آيات تتناغم بشكل يستحيل أن أعتبره مصادفة.
‎شخصيًّا، أنا مع فصل الأبحاث العلمية عن تأثير معلومات الخلفيات الدينية، وهذا ما يتطلب أن نبحث في حقائق الخلق حياديًّا. لكني في نفس الوقت لا أقف ضد من يجد رابطًا بين مكتشف علمي ومقدس نصي.
‎ولا يضر الدين ظهور مكتَشف علمي قد يتعارض ظاهرًا مع نصه، فالنصوص المقدسة تخضع للغتها، وهناك مجال للنقاش داخل هذه اللغة، وطالما كان التأويل جائزًا لغويًّا، فالنتيجة ليست تمييعًا بقدر ما هي جمع بين واقعين، إلا عند من كان لديه شك أو اعتبر الدين منتجًا إنسانيًّا بحتًا، عندها ينتقل النقاش إلى مرحلة الجذور.

© Copyright 2013, All Rights Reserved