19يناير
img_0008.jpeg

القدوع الأخير!

-١-
علّقت أمي على كلمة “جَدُوعْ” ضاحكة: “الناس تركوا هالكلمة من زمان يا علي! ماحد يقول جَدُوع الحين. يقولوا فطور.” وكنت أمازحها بالكلمة.

على ضفاف الخليج، لم أعرف في طفولتي غير جَدُوعْ ونِجدع واجدع وجدعت، وهي كلمة نبذناها. لكن هل الكلمة تعني فطور الصباح؟ ام أن “جَدُوعْ” الخليجية و”قدوع” النجدية تعودان لأصل ومعنى واحد خصّصه أهل الخليج ونجد لاستخدامٓين مختلفٓين؟

يبدو أن الكلمتين تعودان لمعنى مشترك هو “الوجبة الخفيفة”، وخصّه الخليجيون للصباح وحده، بينما خصّه النجديون للتمر وحده، وهناك من حرّره لمعناه المشترك وهو وجبة خفيفة من أي طعام وفي أي وقت.

وأظن أن “قٓدٓعٓ” الفصحى هي مصدر الكلمتين، وتنقل القواميس أن مادة “ق د ع” لها معنيان متباينان هما “الكف عن الشيء” و”التهافت عليه”، وفي سياقنا تعني الكفّ، وقيل “‫اقْدَعْ‬ من هذا الشراب” أي “اشْرَبْه قِطَعاً قِطَعاً”. ‫وقِدْعةُ‬ الثياب هي دُرَّاعةٌ [١] قصيرة، والمرأة القٓدُوعٌ هي كثيرة الحياء قليلة الكلام.

-٢-
وفي مجتمعات حوض المتوسط القديمة، كانوا يخصّون الوجبة الخفيفة الليلية بإسم تُرجِم لـ “supper” الإنجليزية. ولتساهل المترجمين للعربية، تُرجمت الكلمة لـ “عشاء” التي لا تعني عشاءً خفيفا بالتحديد.

-٣-
الجٓدُوعُ الأخير؟ القٓدُوعٌ الأخير؟

في كون موازي، دافنشي من أهل الجزيرة والقٓدُوع الأخير “فٓرْدة” [٢] تمر وفنجان قهوة!

هامش:
١. وكنا نسمي ثوب الرجل “دِرّاعة”، التي تعود لـ “دُرَّاعة” الفصحى. وكان الرجال والنساء يلبسون الدُّراعة في عهد النبي.

٢. بلهجة الخليج، “فٓردٓة تمر” تعني “حبة تمر”، وربما كانت الكلمة تأنيثا لـ “فرد”! وهي تُستعمل مجازا غالبا، بمعنى “بضع تمرات”.

16ديسمبر
img_1685-7.jpeg

عن الفقيه والقصر والتمييز

-١-
مصطلح “فَقِيه السلطان” يَغفل ضرورة القصر في تاريخ نشوء وحفظ الابداع، فالفقاهة وباقي مهن الابداع (الآداب والفنون الجميلة، العمارة، المنطق، الفلسفة، ..) لم يقدر او يرغب على تمويلها الا القصر (ومحيطه). ففي تلك الازمنة، لم يوجٓد فائض مال الا في القصر [١]، وكان ممولَ وزبونَ المبدِع. والمبدِعُ يلتزم بشروط الانتاج عند مموله.

ضم َّعلي الوردي النحوَ والمنطق لمنتجات “الطبقة الفراغية” [٢] (عِلية المجتمع)، وأهمل الفقه وهو منهم. نشأ وتطورٓ الفقه بشروط (تعليمية، تقنية، اقتصادية، بيئية، ..) لم توجد الا في دوائر ضيقة ميسورة في المدن القليلة آنذاك، واستمر ضِيق هذه الدوائر حتى ظهور الأشكال المعاصرة للتقنية والاقتصاد والدولة.

“المثقف الشحاذ” هو مصطلح طريف آخر، بصياغته وما تحمل من إستعابة. المبدع المسترزِق القصرٓ ليس نسقاً ثقافيا عربيا (فقط) [٣] ولا معيبا، بل هو عالمي وحٓسٓن بذاته. لطبقات اليُسر القليلة في الاقتصادات القديمة فضلُ تنشأة ورعاية صنوف الإبداع، رغم إساءة هذه النشأة لانتشار المعارف المعاصر. وبعد الانتشار الحديث لفائض المال عند الأفراد، وجد المبدعُ (الفقيه، الأديب، منتج هوليوود، المهندس، ..) قطبٓ مال غير القصر وأضخمٓ منه وقادراً على تمويلِ المبدع واثراءِه، وصار المبدع ينتج للقطب الجديد ايضا وحسب شروطه (الشعبية). اي يمكن الإدعاء ان “شحاذة” المثقف باقية، وتوزعت بين القصر والشارع! إن انتشار فائض المال الفردي اعاد تشكيل المنتجات، ومنها منتٓج الفقيه.

إن النزاع على الفقه اليوم لا ينفصل عن النزاع على الفن وغيرهما، فهذه الآداب نشأت وتشكلت بطباع القصر في اغلب تاريخها، قبل ان يبرزٓ زبون ينازِع لتطويعها نِدّٓاً لما نشأت عليه، ويُلبسها ذوقه ومنافعه. إن الثقافة الشعبية المعاصرة في الفنون والآداب ليست سٓقطة ذوق، بل خروجٌ من زخرف القصر وإعادةٓ تشكّلٍ لقطب الشارع وشروطه، بعد ان برزت للأفراد سلطة اقتصادية ومعرفية على الإبداع. [٤]

ثم ان القلق من تلوث الفكرة (وخاصة الدينية) بالمال ليس اعظم اخطارنا بعد ثورة الصناعة، فقد جعلت الصناعة للتقنية (وهي المحسوس من الحضارة) أثراً كونيا للضر والنفعِ قد يجاوزُ حدود حركة الفكرة (فالتقنية هي الوسط الذي تظهر وتتحرك وتتكاثر فيه الفكرة خارج اذهاننا)، ومع عِظم اثر التقنية تعظُم تبعاتُ انحيازها لمموليها ومخالفتُها لاخلاقياتها. [٥]

– ٢ –
التشريع (منتَج الفقيه) يحتاج مؤسسة سياسية، فالفتوى (في اي دين) هي مثل نظام المرور وتعليمات النوم المبكر في العائلة، اذ تفصِح عن تراتبيةٍ واستحواذٍ على الإكراهِ وشروطِ ضٓمٍّ وطرد (ولاء وبراء)، اي مؤسسة سياسية. [٦] وهذا مما قرّب الفقيه والسلطة.

ونعني بالسلطة كل مركز سيادة في تنظيم المجتمع، في البيت وخارجه، ومنها الأقطاب الناشئة. ومواقف هؤلاء المتنافسة على الإستحواذ على الفقه قد تعود لأحد هذين الهدفين:

أ. الاستحواذ على الحق في الإكراه، وبالهيئة التي يقدمها الفقه. ومن هؤلاء جماعات طائفية تاريخية، وأخرى حديثة ببرنامج سياسي.

ب. نزع الإكراه من الفقه، بتبني قراءات فقهية مقابِلة. وهؤلاء مدفوعون بمبادىء فردانية حديثة، وبرنامجهم سياسي ايضا، حتى وان نفوا عن نفسهم هذا الطموح، فهم سياسيون بحجم ما يودون تعويضه في مشروع نِدّهم السياسي.

ان النزاع الطاغي على الفقه اليوم هو نزاع على السلطة (ونمطها)، اي ان موضوعه السيادة لا الهداية.

– ٣ –
محظوظ من كان ساكتا او ضعيفا، فالساكتُ ينقد قولٓ المتكلم والضعيفُ ينقد فِعلٓ القوي. لكن الكلام لا يقارن الا بمثله وفي زمنه، وكذلك الفعل. مقارنة متكلمَين او فاعِلٓين هي ما يميّز بينهما او يظهر أنهما توأمان في رحم حضاري واحد.

لكن مقارنناتنا التاريخية اعتادت ملىء فراغ الكلام او الفعل بمثاليات حديثة (أي مقارنة “واقعهم القديم”بـ “نموذجنا النظري الحديث”)، واعتادت نُصرة الغياب على الحضور.

– ٤ –
يغالط من يحتكر المظلومية (ومن ثَمّ قيمتها السياسية) في تاريخنا او تاريخ غيرنا، ففي أزمنة البؤس والتوحش وطبقات القهر تلك، لم ينجو أحد!

ويخطىء من يظن ان الظلم يُصلح المظلومٓ، أو أن مظلوما (ما) كان قادرا (دون غيره) على تعلم العدل، وكأن مفهوم العدل الحديث كان فكرة دانية لكل مظلوم.

ولم ينجو احد آنذاك من تشريع أحكام القهر والعزل والفناء ضد الاخر الفكري او الجسدي. وعادة ما كان نصيبُ الاخر الفكري من خارج الجماعة العزلَ ونصيبُ الاخر الداخلي (اي داخل الدين او الطائفة) الفناء، وكأن اللُّوثة خارج الجسد يكفيها الاعتزال وآفة الجسد دوائها البتر.

فقه الآخر هذا لم تختص به جماعة واحدة من طائفة او دين، كما لم يعطي تطبيقه الا السوء. تجارب تنقية الجماعة هي مثل بتر سالب مغناطيس، إذ يخلفه سالبٌ آخر في جسد اصغر وقطبٓين اضعف.

– ٥ –
يثور الامام ليؤسس دولة ويصير خليفة، ثم يجاهد ليوسّعها ويحميها. ومن انقطع تاريخه عند الإمامة انقطعت أدبياته عند الثورة.

انجحُ مشروعاتنا الإحيائية هو التأصيل الشرعي للإكراه ضد المجتمع والدولة، والأخير تأصيل لتراثين وقطبين: ثورة الإمام وجهاد الخليفة. من الخطأ الدعوة لوقف ترويج ادبيات جهاد الخليفة وحدها، اذ علينا وقف ترويج ادبيات ثورة الإمام ايضا، اذا أردنا مواجهة تأصيل صراع الخليفة ونائب الإمام.

هوامش:
١. من هذا ملاحظات ابن خلدون ومستكشفي آثار الرأسمالية في الاقتصادات القديمة (كماكس فيبر).

٢. هذه ترجمة علي الوردي لمصطلح Leisure Class، وسمات الطبقة (كما اخذها من “نظرية الطبقة الفراغية“) الهمته وصارت ثالثة آثافي آعماله. والركيزتان الآخرتان هما طوبائية العقيدة (من “العقيدة وطوبى“) وثنائية البدو والحضر الخلدونية. في مواطن كثيرة، بقى الوردي موطِّناً ومشيْعاً للاثافي الثلاث.

٣. لا أظن ان نسٓقٓي “المثقف الشحاذ” و”الفحل” من مفرزات الشعر او الثقافة العربيّتين، بل هما صنيعة تنظيم اجتماعي كان واسع الحضور عالميا. وقد أدوّن يوما عن نسٓق الفحل.

٤. من ذلك الأغاني والأطعمة السريعة والتصميم الحديث. منتجات الثقافة الشائعة (pop culture) النابذة لبذخ المنتَج وطقوسه ليست هبوطا في الذوق بل توسيع للتعبير عن هوية طبقة اجتماعية لم تملك سابقا هذا القدر من السلطة على الانتاج. ومن الخطأ تفضيل الفنون والآداب السابقة باعتبارها الإبداع المحض، بينما كان دافعها هاجس طبقي لهوية متعالية.

٥. “إعادة تعريف الحدود” هو من أهم آثار التقنية (خاصة الحديثة)، ومن هذا حدود قدرات ونتائج أخطار أخلاقية (moral hazards) غير المسبوقة تاريخيا في الحرب والسلم (كالسلاح والتلوث والتجسس والإهمال الهندسي الخ). مثلا، الانهيار المالي العالمي في ٢٠٠٨ هو أساسا صنيعة تقنية، فضخامة المؤسسات وترابطها وتعقيد منتجاتها هي نتيجة تقنية.

وإحاطة التشريع بتطور التقنية (للحد من مخاطرها الاخلاقية) تبقى متأخرة، لاختلافات هيكلية بين المشرِّع والمشرَّع له. تحديات حدود التقنية وتأخر استيعابها تظهر حتى في التشريع الفقهي، ومن الخطأ تقديمها كخصوصية فقهية.

٦. تُرجع الفكرة لماري دوغلاس في “الطهر والخطر“.

6نوفمبر
IMG_1318.JPG

الجوال المصرفي وباقي القنوات

قبل شهرين، وفي حلقة حوار مؤسسة Retail Banking International بالرياض، نُوقِشت عوائق سيادة الجوال على باقي القنوات المصرفية، واحتمال كون الثقافة (المحلية مجددا!) من المعيقات. سأسجل هنا رأيي في الموضوع. 

لعجز الجوال (كتطبيق مستجيب او اصيل او هجين) عن سيادة باقي القنوات (الآن) سببٌ تُهمله نقاشاتنا، وهو وجود منافذ بديلة للعميل (كالهاتف والصراف الآلي) يُحَفَّز مديرُوها بالتساوي على جذب العملاء، اي ان قنوات المصرف تُدفع للتنافس بينها. في هذا الوضع، تُحسَّن خدمات الجوال فيهاجر العملاء من قنوات اخرى له، ثم تُحسَّن القنوات المهجورة فيحدث نزوح معاكس، لأن توزيع العملاء على القنوات هو لعبة محصّلتها صفر.

التطوير المتساوي للقنوات هو (ايضا) إنهاك متساوي للقنوات، بل وللمؤسسة. تكرار خدمة في عدة قنوات هو تكرار لاعباء الخدمة داخل ادارة القناة وكل الإدارات المساندة (كالتقنية والعمليات وشكاوى العملاء وأمن المعلومات والمخاطر والتدقيق). أي ان التضخيم المتساوي للقنوات يحتاج تضخيما معادلا في ارجاء المؤسسة، وهذا ضُر ان حدث او لم يحدث. فإن حدث فهو تحقيق لتضخيم موازي لتكاليف ثابتة، وان لم يحدث فستُحرم القنوات من الرعاية الكافية وتصير همّا داخليا ثابتا! وعادة ما تكون النتيجة الحرمان، لاسباب منها:

١) إهمال زيادة سعة الخدمات المساندة عند التخطيط لزيادة خدمات القنوات. 

٢) تناقض سياسة تضخيم القنوات مع سياسة ضبط أعباء المؤسسة، وتكون الغلبة للأخير.

والحاليَن من أسباب النمو غير المتناسق لجسد المؤسسة، إذ تصبح المؤسسة جسدا ضخما على قدمين هزيلتَين. 

ومن الخطأ حتى إبقاء كل الخدمات الموجودة في القنوات الاخرى. ان موارد المؤسسات المالية (كرأس المال والمواهب ..) شحيحة ويجب ترشيد توظيفها لما يراعي الضغوط المتكاثرة، وللتبسيط منافع هيكلية كبيرة وكثيرة. كما أن كثرة القنوات وكثرة خدمات كل قناة هو مما يُبعد فرصة تقديم تجربة عميل جيدة. ان تجربة العميل هي حكاية تربط كل نقاط لقاءه بالمؤسسة، وكلما كثرت وتعقدت نقاط اللقاء صعب حبْك حكاية ممتعة للعميل.

بعض انصار التطوير المتساوي يآملون إعطاء العميل حرية الخيار، لكنهم لا يراعون هذه الفضيلة عند تشجيعهم العميل على ترك قناة الفرع لقنوات الخدمة الذاتية! ومحاولة استيعاب كل احد (كزبون) او تجنب خسارة كل احد هي سياسة خاطئة طبعا، فنموذج عمل المؤسسة هو موقف، وكل موقف هو موضوع قبول ورفض من الطرفين. ثم ان اغلب العملاء الذين يُخَاف رفضهم الجوال هم مقيمون فيه، ولا يبدو انهم من يعيق تقدم المؤسسة للمستقبل!

اغلب العملاء اعتادوا استعمال تطبيقات لمؤسسات لا يعرفوا عنها غير تطبيقاتها، فلماذا يرفض بعظهم تطبيق المصرف؟ اضافة للسبب الذي ذكرته (والاسباب المعتادة كسهولة الاستخدام وكمال الخدمات الخ) يبرز التثقيف كسبب رئيس. مجتمعنا يعاني من أنيميا حادة للثقافة المصرفية، ومنها شُح جهود تعليم التطبيقات المصرفية. يغلب على المادة المصرفية خطابان: خطاب المصارف المركز على الترويج وخطاب العملاء-الاعلام المركز على النقد والسؤال. وليس من هذين الخطابين ما يرضي حاجة فهم منتجات وخدمات المصارف. 

الجوال هو القناة الخاصة جدا والاجتماعية جدا. وهو الاقدر على تغطية أوسع جغرافيا بأقل تكلفة (عكس الفرع والصراف الآلي الملتصقَين بالمكان)، ويخلو من الإعاقات التقنية الخَلقية الملازمة للهاتف والصراف الآلي والتي تنتظر فتوحات تقنية عديدة.

1أكتوبر
IMG_1334.JPG

حاشية على فيلم The Margin Call

شاهدت (متأخرا كالعادة) فيلم The Margin Call. الفيلم هو ابراز بسيط وحلو لومضات من أزمة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ المالية. كان للازمة تبعات كارثية عالميا، كإغلاق مؤسسات مالية وخضوع غيرها لإعانات ووصاية الدولة، اضافة لإخلال مصارف بوظيفتها الضرورية كمقرض لاستهلاك العائلات واستثمار الشركات.

يحكي الفيلم أن موظف إدارة مخاطر في شركة استثمار اكتشف ان مخزون الشركة من البضاعة المالية سيكلف الشركة خسارة تتجاوز أضعاف رأس مالها. اُستدعي مدراء عديدون لدراسة الوضع وحلّه، وتقرر بيع ٨ ترليون دولار من المنتجات السيئة في صباح اليوم الثاني. أُنقذت الشركة وضُحِّي بشركائها والسوق، ثم كُوفئ الموظفون على هذا “الإنجاز”.

سألتقط فكرتين من الفيلم، وأعلّق عليهما:

-١-
اهتم الفيلم بإظهار ضخامة مكافآت موظفي قطاع الاستثمار (هناك وآنذاك!)، ربما لوضوح واثارة الموضوع عند الجمهور، ولإبراز مآلات ذلك النمط من التحفيز.

معروف ان تلك المكافآت من أسباب انهيار السوق، لانها حفّزت على اتخاذ مستويات مغالية من المخاطرة. ولهذا سُنّت تشريعات لمكافآت القطاع المالي لتجنب أزمات مشابهة.

تمركزت حوافزٌ عالية في القطاع المالي وتمَركز معها أفضل خريجي الجامعات، لان القطاع قدّم عوائد استثنائية على الذكاء. ومع استقرار ذلك الوضع لعدة عقود، تمَركز الابتكار وتسارع في القطاع المالي، وتأخر في قطاعات (كالصناعة) عجزت عن جذب وتحفيز تلك العقول.

تكتُّل الذكاء هذا اعطى منتجات في الهندسة المالية عالية التقدم والتعقيد والمخاطرة، في فترة من غياب تشريعات ملائمة. وكانت النتيجة كارثية لهذا التكتل التاريخي النادر لثلاثي الذكاء والحافز وسهولة التشريع.

قد لا تعود تلك الحوافز لمستوياتها السابقة، لتغييرات هيكلية عديدة في البيئة المالية. من هذه التغييرات تشريع عزل وتقييد الأنشطة الاستثمارية، وبالتالي خفض الحاجة للمهارات العالية الملاصقة لهذه المنتجات المعقدة.

يبدو ان محطة تكتل الذكاء والحافز وسهولة التشريع اليوم هي قطاع هندسة البرمجيات. والتجربة القادمة الأكثر تشويقا هي محاولة هذا القطاع حمل وصفته للابتكار لقطاعات هندسية متأخرة، كهندسة السيارات والهندسة الحيوية. ومحاولة ألفابيت (الشركة الام لجوجل) مع الهندسة الحيوية هي الأكثر اثارة، فإضافة لتأخر كشوفات العلوم الحيوية، تواجه تطبيقاتُها شدة تشريعية هي تحدي إضافي لآلفابيت.

-٢-
اهتم مشهدٌ في الفيلم بطرافة كون موظف دائرة المخاطرة من خريجي علم الصواريخ. وذكر الفيلم ان رئيس ذلك الموظف كان مهندسا معماريا.

للقطاع المالي علاقة مدهشة بالفيزياء. مثلا، الرسوم البيانية للاسهم ومؤشرات التحليل الفني انتفعت بمحاولات تطبيق أساسيات حركة المقذوفات على أسعار الأسهم، وما يرافق ذلك من مبادىء كالاتجاه والسرعة والتسارع..

بل ان فيزيائيين وجدوا مبكرا ما يؤيد تطبيق قوانين الطبيعة على سوق المال، كـ تحليل تذبذب اسعار الاسهم و تسعير المنتجات المالية الأكثر تعقيدا (المشتقات) وتطبيقات مالية عديدة لرياضيات الشبكات المعقدة وفيزياء الجزيئات وسواها..

5يناير
20140105-235523.jpg

المجتمع الأبوي ومفاهيم مصاحبة

هذه التدوينة من تشجيع حوار جميل تطرّق للبطريركية (الأبوية patriarchy) كتنظيم اجتماعي، وسأحاول هنا تعريف المصطلحِ وأفكارٍ متصلة به، بإيجاز قد اتوسع فيه مستقبلا.

الأبوية (كترجمة سائدة للبطريركية) هي نوع من تنظيمات المجتمع، يكون فيه الذّكَر السلطة الاساسية، ووصيّا على المرأة. وعادة ما يكون الذكرُ الوصيُ الأبَ او الزوجَ او الأخَ او الإبنَ، فتُلحق المرأةُ اجتماعيا وقانونيا به. وهذا التنظيم يمنع وجود امرأة بلا وصاية، ويعامل ذلك كمُنكر.

لغويا، الكلمة الانجليزية منحوتة من “حكم-الأب”، والأب (هنا) ليس أب عائلة، بل أب عِرق بشري (كإبراهيم لبني اسرائيل في السرد التوراتي) كرمز للحضور الذكري الطاغي في المجتمع، فالمصطلح استسقته الإناسة (anthropology) من التوراة في زمن كانت معارفُ طريّةٌ تهتدي بالتوراة كمؤرخٍ صادق وشاهدٍ وحيد لفترة تاريخية، وبقى المصطلح (وغيره) كوليد علاقة حميمة منتهية بين التوراة والعلوم.

التنظيم الأبوي ينزع من المرأة (كقاصر) حريات تصرف (كالتعليم والزواج والعمل والتنقل والتملّك وإدارة المُلك) ويعطيها للوصي الذكر، ويشرّع امتيازات عديدة للذكر. حدود قصور المرأة وسلطة الوصي اختلفت بين المجتمعات والأزمنة، لكنها تجتمع على منع المرأة من مستوى سلطة الرجل، ممثلة في المعرفة والملكية والمنصب.

الأرجح ان الأبوية كانت تنظيما مشتركا في كل المجتمعات والأزمنة، ويغيب الدليل على مجتمع او مرحلة إنسانية أمويّة (متريركية matriarchy)، بمعنى ان سلطة المرأة (كجنس) علت الذكر (كجنس). هناك مجتمعات أمويّة بمعنى إنتساب الأبناء للأم، لكن تلك الأم كانت تحت وصاية ذكر. وهناك لحظات حكمت فيها نساء، لكن في مجتمعات (وبشروط) ذكورية، كما برز دائماً أفراد من جماعات مقهورة تحت شروط جماعات مستبدة.

ومثل تمسّك نسويّات (كنوال السعداوي) بمرحلة أمويّة رغم إقلاع الإناسة القديم عنها، مازال يُقال ان “المرأة في الديانات الوثنية كانت أفضل من الديانات التوحيدية”، وقد يوظَّف هذا الخطأ لتجميل موضة فكرية صاعدة. يأخذ هذا الرأي بصورة المرأة في أساطير وآلهة مجتمعات قديمة، وقد يضيف شهادة الاعمال الفنية (كالمنحوتات). وهو ادعاء أنتجته مدرسة الأساطير والشعائر، التي سادت في بدايات الإناسة وانتمى لها روّاد عديدون. ورغم انسحاب هذا المنهج، مازال طاغيا على الباحثين العرب (كفراس السوّاح).

رأت تلك المدرسة اننا نستطيع فهم تنظيم وتغيّر مجتمع بالتوكّل على شهادة أساطيره وشعائره، لكن ثبت لاحقا قصورُ ذلك في موضوعنا وغيره، فصورة المرأة في الأساطير والآلهة (والأعمال الفنية) قد تناقض واقعَ تشريعات الدولة وممارسةَ المجتمع، وباضطراد ملفت. كما ان العديد من الأساطير والملاحم هي نصوص أدبية، وقَلبُ الواقع كان من أدواتها الجمالية. (وقد نجد تناقضا مشابها بين صورة المرأة في أدبيات مجتمعنا الأبوي وواقعه، ومن تجليّات ذلك صورة المرأة الملكة في مجتمع يحرّم ولاية المرأة.)

لم يتراجع بطش الأبوية لنصف البشر الا في العصر الحديث، وكانت قبلها الشكل الوحيد للمجتمعات البشرية، بكل اعراقها ومعتقداتها، ومنذ أقدم الأدلة الأثرية، ولم تكن أبدا خصوصية لمجتمع او عقيدة. فإذا نظرنا لمسائل افرزها ذلك التنظيم (كالولاية والتجهيل والعزل وحتى الوأد) فإننا نجد أمثالها في حضارات اخرى، كالعراق واليونان القديمَين. وخطأ ان نحمّل مجتمعا او دينا مسؤولية تأسيس (او عبء بقاء) النظام الأبوي المكلف إنسانيا.

اذا كان في خصوصيتنا خصوصيةٌ فليست حال المرأة، فهذا الحال نمى منسجما مع أقرانه في مجتمعات اخرى، ولم ينفعه انسجامه (آنذاك) ليكون رمز هوية ومواجهة للآخر المتخيَّل في الغرب، فالغرب شاركنا وضع المرأة القديم الذي أبقيناه لخصوصيتنا. وليس من خصوصيتنا (كذلك) أدوات تبريره، فقد شاركْنا الغربَ التبريرات، التي منها قراءة غائية للنص لتفسير وترسيخ مكاسبنا المعاصرة.

4أكتوبر
Tube Meat

لن تنقذ اللحوم الصناعية حيوانات الطعام

نعرف أننا نعامل حيوانات الطعام (المواشي، الدواجن، ..) ليس ككائنات حية، بل كألات تنتج انسجة (عضلات، جلود، ..) لا نستطيع صنعها الآن. ومع آمال الانسان لصنع أنسجة كهذه، تصعد آمال لانقاذ الحيوانات، بترك استخدامها كمادة للطعام والصناعة. لكني أظن ان بدائل حيوان الطعام لن تنقذه، بل ستؤدي لانقراضه. أي أن هذه الكائنات الحية هي بين مصيرين: بقائها كمادة للطعام والصناعة، أو الانقراض.

طبعا، كانت هذه الحيوانات بريةً قبل أن يستأنسها البشر. الأجيالُ الأولى البريةُ اختفت تقريبا، وما ينفعُ الناسَ مَكَثَ في الارض، لأن الانسان أذِنَ لتناسلها ورعاه. وعبر اجيال من البشر، تم تفضيل سلالاتِ حيواناتٍ حسب نفعها لبقاء الانسان، وفنَى غيرُها. أي أن تطور حيوانات الطعام حكمته سلطتان:
١) الطبيعة: حيث فَرزت الظروف الطبيعة هذه الحيوانات، ونجى الأقدرُ على البقاء.
٢) الانسان: حيث فَرز الانسان هذه الحيوانات، ونجى الافضلُ لبقاء الانسان.

قدراتُ الحيوانِ الانفعِ لبقاء البشر تُناقضُ قدراتَ الحيوانِ الانفعِ لبقاءه هو، والسلالات التي اصطافها الانسان لنفسه هي كائناتٌ إتّكاليةٌ عليه، وعاجزةٌ عن العيش في بيئاتها الطبيعية الاولى. هي مُسوخٌ هشّة، فارتقاء الانسان احتاج انحدارَ كائناتٍ أخرى (وربما بشرٍ آخرين!)

هذا النقاش يساوي حيوانات الطعام بكل ما يتداوله الانسان (الافكار، السلوك، المنتجات، ..)، في ما يشبه داروينية يسيّرها نفعُ الناس، فاذا وصَلَنَا نبات أو سلوك أو كتاب فلأن أجيالا من البشر رعت تكاثره فلم ينقرض. واذا نمت فكرةٌ في مجتمع، فلأن الاغلبية هناك يرعون تكاثرها. إن سلطة الاغلبية تلك واسعة وعميقة، وأضخم من جهودنا للنجاة منها، وما نستهلكه اليوم هو فرَضٌ من الاغلبية. لنأخذ الانترنت كنموذج. اعطت الانترنت (كارشيف جماعي للمعرفة البشرية) ملجأً سهلاً للأفكار، لكن البحث في هذا المخزون منحازٌ لما ترشّحه الاغلبية (مثل أسلوب جوجل المسمى Page Rank). لهذه الاسباب وغيرها، صارت بُنيةُ ادوات البحث (كفهارس للمعرفة البشرية) مقلِقةً حضارياً.

أعودُ لموضوعنا! عَتْقُ الانسان لحيوانات الطعام لن يكون سببُ انقراضها الوحيد. صُنعُ انسجة بديلة للحيوان سيكون نتاجَ علومٍ مثل هندسة الانسجة أو التصنيع الحيوي، وأولُ اهداف هذه العلوم قد يكون تعويضَ اعضاءٍ بشريةٍ مختلّةٍ وظيفيّا، فيطولُ عمرُ الانسان، ويزيدُ سكانُ العالم واخلاءُ بيئة الكائنات الاخرى لسكن البشر. اذا نبذ الانسان الحيوانات كمادة للطعام والصناعة، فلن يرحب بها كمنافس على موارد الارض.

أخيرا، دعونا نراجع دوافع رفض تربية حيوانات الطعام:

١) أخلاقية (أو عقائدية): ضد مبدأ أو طريقة ذبح الحيوان، أو ظروف رعايته، أو حتى أكله.
٢) صحية: ضد مبدأ تناول اللحوم، أو مشككة في سلامة طرق تغذية الحيوانات او معالجة لحومها ونقلها وتخزينها على صحة الانسان.
٣) بيئية: قلقة من التكلفة البيئية لتربية الحيوانات للطعام، فنحن نستهلك سنويا من الحيوانات البرية نحو ١٠ اضعاف عدد البشر.

ان فُرص تحقيق تلك الشروط تنخفض مع ارتفاع عدد البشر أو مستواهم الاقتصادي، ويبدو أن ارتفاع جودة حياتنا (صحيا واقتصاديا) يخفض قسراً أخلاقية وصحيّة وبيئيّة طعامنا، الا اذا ابدلنا (طوعاً أو كُرهاً) الحيوانَ بأنسجة مُصنّعة. قد تحقق البدائلُ الآمانيَ الثلاث، الا نجاة حيوان الطعام.

كنظامنا الغذائي الحالي، سيكون لبدائل اللحوم آثار ثقافية واجتماعية عميقة. مثلا، ماذا سيكون تعريفنا للذة الطعام؟ وماهي المظاهر الطبقية للذة، اذا كانت النُدرةُ عنصرا في لذة طبقة اجتماعية؟

23سبتمبر

المعلومات المهنية في الشبكات الاجتماعية

إحدى الظواهر السيئة عندنا هي الكتابة في الشبكات الاجتماعية عن خصوصيات المهنة، والحالات التي لاحظتها في تويتر تنتمي لواحد أو أكثر من الانواع التالية:

١) موظف يعرض خبرته في مجاله: هذا جيد، اذا تجنب خصوصيات مؤسسته.
٢) موظف يعرض خصوصيات مهنته لجذب المتابعبن، وأحيانا يفعل ذلك بعد ترك المؤسسة، وكأن التزامه القانوني-الاخلاقي ينتهي مع تركه المؤسسة. وهناك من جنى مكاسب شعبية من التجارة بخصوصيات مهنة سابقة.
٣) موظف يعرض خصوصيات مهنته انتقاماً من مؤسسته او جهات مرتبطة بها.

وفي كل تلك الاحوال، تكون التفاصيل المعروضة خليط من الصحيح والخطأ، حسب موقع الموظف في المؤسسة وموقفه من الموضوع.

علينا الحد من هذا السلوك الخاطىء. واقترح على المؤسسات محاسبة هؤلاء قانونيا، لرفع التزام الأفراد وخفض فوضى الفضاء العام.

22سبتمبر
Jobs (film cover)

مطالعة فيلم: جوبز

فيلم “جوبز” (عن مؤسس أبل) سيء، لأسباب سأوضحها.

الفيلم لا يعرض قصة ستيف جوبز، بل قصته مع أبل، فالفيلم يبدأ قبل تأسيس أبل بقليل وينتهي بعد عودة جوبز لأبل بقليل، ويتجنب حياة جوبز خارج أبل (كالجانب الاجتماعي وأعماله الاخرى). قصة الفيلم هي ما نعرف عن جوبز من الاعلام، بلا إضافة. اشعر ان القصة قيَّدَها هاجس السرية عند عائلة جوبز، فصار الفيلم اداءاً درامياً لقليل منتشر عند الجمهور، او ان الفيلم اراد قبولا تجاريا بقَصْرِ القصة للجانب الممتع المفهوم عند المشاهدين.

معروفٌ ان جوبز كان متوحشا مع الناس في داخل أبل وخارجها (حتى مع عشاق أبل)، ولم تكن من عادته إظهار الانسانية. لم يجد الفيلمُ الانسانَ في سلوك جوبز العلني، فبحث عن الانسان فيما يفعل جوبز في السِرّ. جوبز المتوحش، الذي نبذ ابنته وترك شريكه ستيف وزنياك، بكى وحيدا بعد هذين الموقفين! هذا كل ما وجده الفيلم من انسانية جوبز، بعد ساعتين من التنقيب.

شخصية جوبز في الفيلم تظهِر جفافه المذكور بوضوح مستمر، لكنها لا تُضخِّم تلك الصفة كما فعلت لسمات أخرى في جوبز ومن حوله. مثلا، حركة جوبز ضَخّمها أداء الممثل لدرجة كرتونية. وشخصية وزنياك شُوّهت بالكامل، وكأنه ساذج طيب محظوظ بموهبة تقنية. حتى جوناثان إيڤ ظهر أمام جوبز بشخصية كرتونية، وكأنه يتلو نصّاً تدرّب عليه لتسجيل رسمي (scripted and coached speech). يبدو ان فريق الفيلم لم يجد مادة مصوَّرة لإيڤ سوى تسجيلات أبل وفيلم Objectified، ومن الطريف تقديم شخصيته العفوية هكذا. طبعاً إيڤ يظهر كدُمية طيبة أخرى أمام جوبز، وكأن إيڤ تلميذٌ واعِدٌ وليس رئيس التصميم الصناعي في أغلى شركة تقنية في التاريخ والحاصل على ثاني أعلى وسام بريطاني.

وزنياك وإيڤ ليسا الطيبان الوحيدان عند جوبز، فكل من حوله كذلك، وكأن الله سخّر لجوبز ما يحتاج من الدُمى الطيبة المحدودة المهارات. ولا يَظهَر في الفيلم ان لجوبز قرينٌ في اعماله او حياته الشخصية. فهو وحش يستخدم طيبين، ومُلهَمٌ يقود بُسطاء لجنة لا يرونها، ولا تجب عليهم رؤيتُها، فهم مُكَلّفون بما يستطيعون فقط، أي الطاعة! وفي عدة مناسبات، ينبِذ جوبز شخصاً ممن حوله بسهولةِ رميِ علكةٍ انتهت نكهتها. إذا سألنا “هل من الافضل أن يُهاب القائد أو يُحب؟”، فإن الفيلم يجيب أن جوبز اختار هيبة القائد، وربما كان جوبز كذلك. (طبعا ذلك السؤال الدارج فيه مغالطة التقسيم الخاطىء.)

أخيراً، وفي مبالغة درامية أخرى لامتاع المشاهد، يَظهرُ البطل عارفاً لهدفه وكيف يصله من أول خطوة، ويتّجه لهدفه برشاقة وثقة. هذه الصورة تكررها هوليود في أفلام الحركة، فالبطل يهرب من مُلاحقيه برشاقة وثقة العارِف، ولا يُظهِرُ جُهداً لاستكشاف المكان، بينما سياق الفيلم يقول أن البطل غريبٌ على أزقّة تلك الحارة المزدحمة والضيقة. يبدو اننا (كبشر) نستلذ صورة البطل المُلهَم المُسدَّد.

نعلمُ أن الواقع مختلف، فذلك البطل الهارب سيستكشف الحارةَ الغريبةَ كما يفعل فأرٌ في متاهةٍ بمختبر، وسيدخل خطأً طُرُقاً مسدودة ويغيّر مساره مراراً، وهذا ما نفعله نحن البشر (ومِنّا القيادون) سعياً لاهدافنا في متاهة الحياة. بل حالنا اشد صعوبة من متاهة بمختبر، لأن متاهاتنا تتغير دروبها دوما، وما اعتبَره قياديٌ درباً خاطئاً (او العكس) قد يصبح سليما لتغير الاقتصاد او التقنية او المنافسة الخ. جوبز لم يكن يرى (أبداً) أبل اليوم، بل كان (مثلنا) يتصرف كما يسميه البرمجيون بالاستكشاف (Heuristics)، أي أن نقيّم الخيارات التي يفرضها الواقع، ثم نتحرك حسب الخيار الافضل قيمة، ونكرر اللعب. النتيجة ستكون حصيلة قرارات منفصلة، وليست حصيلة خطة قديمة (للمنتجات والاسعار الخ) ينفذها القيادي لسنوات.

ما يميز جوبز وغيرَه من المؤسسين الناجحين لشركات تقنية عملاقة (مثل بيل جيتس ولاري إلْسون) هو أن هؤلاء تعلموا من أخطائهم بسرعة السوق. فيلم جوبز يهمل تجربة تعلم جوبز، ويتجنب نقده، ربما بسبب شروط عائلة جوبز، أو لأن الجمهور يتوقع عرضاً إيجابياً لجوبز الآن. إن عمق تجربة الخطأ والتعلم واضحة عند جوبز، فأبل التي تركها بعد عزله كانت ستيف جوبز، وأبل التي تركها بعد موته هي بيكسار.

ان محتوى فيلم جوبز اقل من اعمال قديمة مشابهة، كـ Pirates of the Silicon Valley (عن قصة شركتي الحواسب المنزلية الامريكيتين ميكروسوفت وأبل) و Micro Men (عن قصة شركة الحاسب المنزلي البريطانية سنكلير)، فهذان العملان مثلا، ورغم قدمهما، أفضل من فيلم جوبز.

21سبتمبر

ترجمة: لبنان، الحشيش والحرب

هذه ترجمة لمقاطع من كتاب مارتن بُوث “القِنَّب في التاريخ” عن تاريخ نبتة الحشيش:

كان لبنان المزوِّد الاخصب للحشيش بالمنطقة في الستينات والثمانينات، رغم الحظر الرسمي للحشيش. كان الحشيش اللبناني يُميَّز بتعبئته في اكياس بيضاء من القطن او الكَتّان، وتُختم الاكياس بعلامات تجارية بسيطة كالاسد او النجمة والهلال او شجرة الأرْز، وعلامة الأرْز مثّلت أفضل حشيش عند الغرب وعرفوه بالذهب اللبناني.

منذ بداية الخمسينات، كان لبنان وسوريا ينتجان معاً ٣٠٠ طن حشيش سنويا، بينما كان المستهلكون من السكان أقل من ١٪ في ١٩٧٦. كما كان شائعا في المجتمعات الاسلامية، لم يدخن الحشيش الا الرجال، وكانوا يدخنون بالنارجيلة وفي السر.

منطقة الزراعة الرئيسة كانت وادي البقاع، حيث أقامت عشائر الدنادشة [الشيعية] مجتمعا زراعيا. حدثت محاولات في منتصف الستينات لجعل الدنادشة يزرعون محاصيل بديلة كعبّاد الشمس، ولم يتحمس المزارعون. حتى مع دعم الاسعار، فضلوا القِنَّب الذي استهلكت زراعته جهدا ومالاً أقل. استمرت الزراعة، أحيانا بين حقول نبات عبّاد الشمس الطويل الذي ستر المحصول الحقيقي عن الجميع الا المراقب من الجو.

تجارة الحشيش محلياً و (الاهم من ذلك) للتصدير أكسبت عدة فصائل دينية وسياسية أموال كثيرة، في بلد كان مقسَّما إجتماعيا وعرقيا. عندما اندلعت الحرب الاهلية بين المسلمين والمسيحين في ١٩٧٥، كان عند الجماعات المقاتلة عتاد حربي كبير. وبعدما سيطرت الحرب وانهار الاقتصاد، صار الحشيش مصدر الدخل الحقيقي الوحيد. زراعة الحشيش صارت عمليّاً البند الوحيد في الناتج المحلي الاجمالي، وموّلت تجارة السلاح والقتال.

كان التصدير اساسيا، وجزءٌ مُعتَبرٌ منه ذهب لمصر. والكثير هُرّب للغرب، خاصة أوروبا. مزارعوا القِنَّب الشيعة (وهم من المتعصبين للاسلام) كانوا ايضا يبيعون الحشيش لاسرائيل، العدو المقاتل لرفيقهم حزب الله، الجماعة العربية المسلحة التي حاربت سعياً لدولة فلسطينية عربية.

وكشف مقال في صحفية التايمز في ١٩٩٦ خطة للموساد الاسرائيلي لشراء حشيش لبناني وتوزيعه في مصر بعد حرب الايام الستة عام ١٩٦٧. رُمِزَ للعملية بـ لاهاڤ (أي الشفرة)، وباعت حشيشا لتجار مخدرات مصريين قرب قواعد للمجندين. كان الغرض إضعاف الجيش المصري. واستمرت عملية الشفرة طوال الحرب الاهلية اللبنانية وبعد انتهائها (في ١٩٧٩) بفترة، وبالتالي كانت اسرائيل مسئولة عن تمويل الجماعات المقاتلة قبل بدء الحرب الاهلية، واطالة تلك الحرب، و (بشكل غير مباشر) تمويل القتال جزئيا، و (في نفس الوقت) العمل في تجارة المخدرات الدولية، مخالِفةً الاتفاقية الوحيدة للمخدرات من الامم المتحدة. ولأن اسرائيل اختارت إهمال عدة قرارات من الامم المتحدة بالنسبة لحقوق العرب الفلسطينين، وتجاهلت اتهامها باعتداءات وحشية ضدهم، فإن اهمال الاتفاقية الوحيدة لم يكن امرا عظيما.

في ١٩٧٠، مثّلت افغانستان ٣٠٪ من انتاج الحشيش العالمي، ولبنان ٢٥٪، وباكستان ٢٠٪. وبعد عشر سنوات، اظهرت الارقام ان لبنان اعطى ٣٥٪، يتبعه باكستان (٢٥٪)، ثم المغرب (٢٠٪).

25مايو

محاولة للعودة للكتابة

انقطعت ُعن الكتابة منذ سنتين، و قبل ذلك كانت كتابتي موسمية وتحمل سمات الحوليات. أظن ان لذلك عدة أسباب، منها:

١) ضعف لياقة الكتابة: الكتابة من العضلات الضعيفة عندي، والتي لم ادربها لممارسة مستمرة. بل (إمعانا في التشبيه) يبدو أنني نمّيت قدرة الكتابة كعضلة بيضاء، تنفع الأعباء الثقيلة والقصيرة، بينما عليّ التدرب على كتابة خفيفة متصلة!

٢) هاجس الإتقان: انا ممن مارسوا التدوين (خطأ) كالنشر في دورية محكَّمة، وهذا التحريف (الذي تسرب أحيانا حتى للتدوين القصير في تويتر) قد يُنتِج أعمالا كثيفة متقطعة، وذلك يناقض التدوين كإنتاج خفيف متصل. من أعراض تلك الحالة اني راجعت وحررت عدة مقالات نحو ١٠٠ مرة قبل النشر. اعرفُ هذا لأن عدّاد القراءات يكون قرب المائة وقت النشر.

٣) سوء إدارة الوقت: أي سوء إدارة الحياة.

هدف الكتابة عندي هو الإنتاج. هذه المدونة لا تسعى لتغيير العالم (ولا تتجنب ذلك الدور)، بل نيّة صاحبها هي الكتابة كسلوك إنتاجي فقط. ولإسعاف هذه المحاولة الإنتاجية، سأحاول:

أ) التدوين القصير الخفيف، وان اكتفت التدوينة بفقرة واحدة.
ب) التنويع حسب تقلّب هاجس الكاتب، وذلك توجهٌ قديم للمدوَّنة.
ج) تجنُّب انتقاء المواضيع، والكتابةُ عن هاجس اللحظة، دون التركيز على كتلة جمهور معينة.

هذا هو “عمود” المدونة المرجو، ومراعاته قد تنتج تدوينات كثيفة و أخرى لا تتجاوز كونها:
– ملاحظة طرية على رأي أو تطور ما.
– نقل لرأي (كقصاصة من كتاب) لمن يهتم به ويريد تتبعه، مع هامش نحيل.
– مطالعة لمقال أو كتاب.

© Copyright 2013, All Rights Reserved