تاريخ وأسطورة

16ديسمبر

عن الفقيه والقصر والتمييز

-١-
مصطلح “فَقِيه السلطان” يَغفل ضرورة القصر في تاريخ نشوء وحفظ الابداع، فالفقاهة وباقي مهن الابداع (الآداب والفنون الجميلة، العمارة، المنطق، الفلسفة، ..) لم يقدر او يرغب على تمويلها الا القصر (ومحيطه). ففي تلك الازمنة، لم يوجٓد فائض مال الا في القصر [١]، وكان ممولَ وزبونَ المبدِع. والمبدِعُ يلتزم بشروط الانتاج عند مموله.

ضم َّعلي الوردي النحوَ والمنطق لمنتجات “الطبقة الفراغية” [٢] (عِلية المجتمع)، وأهمل الفقه وهو منهم. نشأ وتطورٓ الفقه بشروط (تعليمية، تقنية، اقتصادية، بيئية، ..) لم توجد الا في دوائر ضيقة ميسورة في المدن القليلة آنذاك، واستمر ضِيق هذه الدوائر حتى ظهور الأشكال المعاصرة للتقنية والاقتصاد والدولة.

“المثقف الشحاذ” هو مصطلح طريف آخر، بصياغته وما تحمل من إستعابة. المبدع المسترزِق القصرٓ ليس نسقاً ثقافيا عربيا (فقط) [٣] ولا معيبا، بل هو عالمي وحٓسٓن بذاته. لطبقات اليُسر القليلة في الاقتصادات القديمة فضلُ تنشأة ورعاية صنوف الإبداع، رغم إساءة هذه النشأة لانتشار المعارف المعاصر. وبعد الانتشار الحديث لفائض المال عند الأفراد، وجد المبدعُ (الفقيه، الأديب، منتج هوليوود، المهندس، ..) قطبٓ مال غير القصر وأضخمٓ منه وقادراً على تمويلِ المبدع واثراءِه، وصار المبدع ينتج للقطب الجديد ايضا وحسب شروطه (الشعبية). اي يمكن الإدعاء ان “شحاذة” المثقف باقية، وتوزعت بين القصر والشارع! إن انتشار فائض المال الفردي اعاد تشكيل المنتجات، ومنها منتٓج الفقيه.

إن النزاع على الفقه اليوم لا ينفصل عن النزاع على الفن وغيرهما، فهذه الآداب نشأت وتشكلت بطباع القصر في اغلب تاريخها، قبل ان يبرزٓ زبون ينازِع لتطويعها نِدّٓاً لما نشأت عليه، ويُلبسها ذوقه ومنافعه. إن الثقافة الشعبية المعاصرة في الفنون والآداب ليست سٓقطة ذوق، بل خروجٌ من زخرف القصر وإعادةٓ تشكّلٍ لقطب الشارع وشروطه، بعد ان برزت للأفراد سلطة اقتصادية ومعرفية على الإبداع. [٤]

ثم ان القلق من تلوث الفكرة (وخاصة الدينية) بالمال ليس اعظم اخطارنا بعد ثورة الصناعة، فقد جعلت الصناعة للتقنية (وهي المحسوس من الحضارة) أثراً كونيا للضر والنفعِ قد يجاوزُ حدود حركة الفكرة (فالتقنية هي الوسط الذي تظهر وتتحرك وتتكاثر فيه الفكرة خارج اذهاننا)، ومع عِظم اثر التقنية تعظُم تبعاتُ انحيازها لمموليها ومخالفتُها لاخلاقياتها. [٥]

– ٢ –
التشريع (منتَج الفقيه) يحتاج مؤسسة سياسية، فالفتوى (في اي دين) هي مثل نظام المرور وتعليمات النوم المبكر في العائلة، اذ تفصِح عن تراتبيةٍ واستحواذٍ على الإكراهِ وشروطِ ضٓمٍّ وطرد (ولاء وبراء)، اي مؤسسة سياسية. [٦] وهذا مما قرّب الفقيه والسلطة.

ونعني بالسلطة كل مركز سيادة في تنظيم المجتمع، في البيت وخارجه، ومنها الأقطاب الناشئة. ومواقف هؤلاء المتنافسة على الإستحواذ على الفقه قد تعود لأحد هذين الهدفين:

أ. الاستحواذ على الحق في الإكراه، وبالهيئة التي يقدمها الفقه. ومن هؤلاء جماعات طائفية قديمة وحديثة ببرامج سياسية.

ب. نزع الإكراه من الفقه، بتبني قراءات مقابِلة. وهؤلاء مدفوعون بمبادىء فردانية حديثة، وبرنامجهم سياسي ايضا، حتى وان نفوا عن نفسهم هذا الطموح، فهم سياسيون بحجم ما يودون تعويضه في مشروع نِدّهم السياسي.

ان النزاع الطاغي على الفقه اليوم هو نزاع على السلطة (ونمطها)، اي ان موضوعه السيادة لا الهداية.

– ٣ –
محظوظ من كان ساكتا او ضعيفا، فالساكتُ ينقد قولٓ المتكلم والضعيفُ ينقد فِعلٓ القوي. لكن الكلام لا يقارن الا بمثله وفي زمنه، وكذلك الفعل. مقارنة متكلمَين او فاعِلٓين هي ما يفرّقهما او يظهرهما توأمان في رحم حضاري واحد.

لكن مقارنناتنا التاريخية اعتادت ملىء فراغ الكلام او الفعل بمثاليات حديثة (أي مقارنة “واقعهم القديم”بـ “نموذجنا النظري الحديث”)، واعتادت نُصرة الغياب على الحضور.

– ٤ –
يغالط من يحتكر المظلومية (ومن ثَمّ قيمتها السياسية) في تاريخنا او تاريخ غيرنا، ففي أزمنة البؤس والتوحش وطبقات القهر تلك، لم ينجو أحد!

ويخطىء من يظن ان الظلم يُصلح المظلومٓ، أو أن مظلوما (ما) كان قادرا (دون غيره) على تعلم العدل، وكأن مفهوم العدل الحديث كان فكرة دانية لكل مظلوم.

ولم ينجو احد آنذاك من تشريع أحكام القهر والعزل والفناء ضد الاخر الفكري او الجسدي. وعادة ما كان نصيبُ الاخر الفكري من خارج الجماعة العزلَ ونصيبُ الاخر الداخلي (اي داخل الدين او الطائفة) الفناء، وكأن اللُّوثة خارج الجسد يكفيها الاعتزال وآفة الجسد دوائها البتر.

فقه الآخر هذا لم تختص به جماعة واحدة من طائفة او دين، كما لم يعطي تطبيقه الا السوء. تجارب تنقية الجماعة هي مثل بتر سالب مغناطيس، إذ يخلفه سالبٌ آخر في جسد اصغر وقطبٓين اضعف.

– ٥ –
يثور الامام ليؤسس دولة ويصير خليفة، ثم يجاهد ليوسّعها ويحميها. ومن انقطع تاريخه عند الإمامة انقطعت أدبياته عند الثورة.

انجحُ مشروعاتنا الإحيائية هو التأصيل الشرعي للإكراه ضد المجتمع والدولة، والأخير تأصيل لتراثين وقطبين: ثورة الإمام وجهاد الخليفة. من الخطأ الدعوة لوقف ترويج ادبيات جهاد الخليفة وحدها، اذ علينا وقف ترويج ادبيات ثورة الإمام ايضا، اذا أردنا مواجهة تأصيل صراع الخليفة ونائب الإمام.

هوامش:
١. من هذا ملاحظات ابن خلدون ومستكشفي آثار الرأسمالية في الاقتصادات القديمة (كماكس فيبر).

٢. هذه ترجمة علي الوردي لمصطلح Leisure Class، وسمات الطبقة (كما اخذها من “نظرية الطبقة الفراغية”) الهمته وصارت ثالثة آثافي آعماله. والركيزتان الآخرتان هما طوبائية العقيدة (من “العقيدة وطوبى”) وثنائية البدو والحضر الخلدونية. في مواطن كثيرة، بقى الوردي موطِّناً ومشيْعاً للاثافي الثلاث.

٣. لا أظن ان نسٓقٓي “المثقف الشحاذ” و”الفحل” من مفرزات الشعر او الثقافة العربيّتين، بل هما صنيعة تنظيم اجتماعي كان واسع الحضور عالميا. وقد أدوّن يوما عن نسٓق الفحل.

٤. من ذلك الأغاني والأطعمة السريعة والتصميم الحديث. منتجات الثقافة الشائعة (pop culture) النابذة لبذخ المنتَج وطقوسه ليست هبوطا في الذوق بل توسيع للتعبير عن هوية طبقة اجتماعية لم تملك سابقا هذا القدر من السلطة على الانتاج. ومن الخطأ تفضيل الفنون والآداب السابقة باعتبارها الإبداع المحض، بينما كان دافعها هاجس طبقي لهوية متعالية.

٥. “إعادة تعريف الحدود” هو من أهم آثار التقنية (خاصة الحديثة)، ومن هذا حدود قدرات ونتائج أخطار أخلاقية (moral hazards) غير مسبوقة تاريخيا في الحرب والسلم (كالسلاح والتلوث والتجسس والإهمال الهندسي الخ). مثلا، الانهيار المالي العالمي في ٢٠٠٨ هو أساسا صنيعة تقنية، فضخامة المؤسسات المالية وترابطها وتعقيد منتجاتها هي نتيجة تقنية.

وإحاطة التشريع بتطور التقنية (للحد من مخاطرها الاخلاقية) تبقى متأخرة، لتفاوت المشرِّع والمشرَّع له هيكليا. تحديات حدود التقنية وتأخر استيعابها تظهر حتى في التشريع الفقهي، ومن الخطأ تقديمها كخصوصية فقهية.

٦. تُرجع الفكرة لماري دوغلاس في “الطهر والخطر”.

5يناير

المجتمع الأبوي ومفاهيم مصاحبة

هذه التدوينة من تشجيع حوار جميل تطرّق للبطريركية (الأبوية patriarchy) كتنظيم اجتماعي، وسأحاول هنا تعريف المصطلحِ وأفكارٍ متصلة به، بإيجاز قد اتوسع فيه مستقبلا.

الأبوية (كترجمة سائدة للبطريركية) هي نوع من تنظيمات المجتمع، يكون فيه الذّكَر السلطة الاساسية، ووصيّا على المرأة. وعادة ما يكون الذكرُ الوصيُ الأبَ او الزوجَ او الأخَ او الإبنَ، فتُلحق المرأةُ اجتماعيا وقانونيا به. وهذا التنظيم يمنع وجود امرأة بلا وصاية، ويعامل ذلك كمُنكر.

لغويا، الكلمة الانجليزية منحوتة من “حكم-الأب”، والأب (هنا) ليس أب عائلة، بل أب عِرق بشري (كإبراهيم لبني اسرائيل في السرد التوراتي) كرمز للحضور الذكري الطاغي في المجتمع، فالمصطلح استسقته الإناسة (anthropology) من التوراة في زمن كانت معارفُ طريّةٌ تهتدي بالتوراة كمؤرخٍ صادق وشاهدٍ وحيد لفترة تاريخية، وبقى المصطلح (وغيره) كوليد علاقة حميمة منتهية بين التوراة والعلوم.

التنظيم الأبوي ينزع من المرأة (كقاصر) حريات تصرف (كالتعليم والزواج والعمل والتنقل والتملّك وإدارة المُلك) ويعطيها للوصي الذكر، ويشرّع امتيازات عديدة للذكر. حدود قصور المرأة وسلطة الوصي اختلفت بين المجتمعات والأزمنة، لكنها تجتمع على منع المرأة من مستوى سلطة الرجل، ممثلة في المعرفة والملكية والمنصب.

الأرجح ان الأبوية كانت تنظيما مشتركا في كل المجتمعات والأزمنة، ويغيب الدليل على مجتمع او مرحلة إنسانية أمويّة (متريركية matriarchy)، بمعنى ان سلطة المرأة (كجنس) علت الذكر (كجنس). هناك مجتمعات أمويّة بمعنى إنتساب الأبناء للأم، لكن تلك الأم كانت تحت وصاية ذكر. وهناك لحظات حكمت فيها نساء، لكن في مجتمعات (وبشروط) ذكورية، كما برز دائماً أفراد من جماعات مقهورة تحت شروط جماعات مستبدة.

ومثل تمسّك نسويّات (كنوال السعداوي) بمرحلة أمويّة رغم إقلاع الإناسة القديم عنها، مازال يُقال ان “المرأة في الديانات الوثنية كانت أفضل من الديانات التوحيدية”، وقد يوظَّف هذا الخطأ لتجميل موضة فكرية صاعدة. يأخذ هذا الرأي بصورة المرأة في أساطير وآلهة مجتمعات قديمة، وقد يضيف شهادة الاعمال الفنية (كالمنحوتات). وهو ادعاء أنتجته مدرسة الأساطير والشعائر، التي سادت في بدايات الإناسة وانتمى لها روّاد عديدون. ورغم انسحاب هذا المنهج، مازال طاغيا على الباحثين العرب (كفراس السوّاح).

رأت تلك المدرسة اننا نستطيع فهم تنظيم وتغيّر مجتمع بالتوكّل على شهادة أساطيره وشعائره، لكن ثبت لاحقا قصورُ ذلك في موضوعنا وغيره، فصورة المرأة في الأساطير والآلهة (والأعمال الفنية) قد تناقض واقعَ تشريعات الدولة وممارسةَ المجتمع، وباضطراد ملفت. كما ان العديد من الأساطير والملاحم هي نصوص أدبية، وقَلبُ الواقع كان من أدواتها الجمالية. (وقد نجد تناقضا مشابها بين صورة المرأة في أدبيات مجتمعنا الأبوي وواقعه، ومن تجليّات ذلك صورة المرأة الملكة في مجتمع يحرّم ولاية المرأة.)

لم يتراجع بطش الأبوية لنصف البشر الا في العصر الحديث، وكانت قبلها الشكل الوحيد للمجتمعات البشرية، بكل اعراقها ومعتقداتها، ومنذ أقدم الأدلة الأثرية، ولم تكن أبدا خصوصية لمجتمع او عقيدة. فإذا نظرنا لمسائل افرزها ذلك التنظيم (كالولاية والتجهيل والعزل وحتى الوأد) فإننا نجد أمثالها في حضارات اخرى، كالعراق واليونان القديمَين. وخطأ ان نحمّل مجتمعا او دينا مسؤولية تأسيس (او عبء بقاء) النظام الأبوي المكلف إنسانيا.

اذا كان في خصوصيتنا خصوصيةٌ فليست حال المرأة، فهذا الحال نمى منسجما مع أقرانه في مجتمعات اخرى، ولم ينفعه انسجامه (آنذاك) ليكون رمز هوية ومواجهة للآخر المتخيَّل في الغرب، فالغرب شاركنا وضع المرأة القديم الذي أبقيناه لخصوصيتنا. وليس من خصوصيتنا (كذلك) أدوات تبريره، فقد شاركْنا الغربَ التبريرات، التي منها قراءة غائية للنص لتفسير وترسيخ مكاسبنا المعاصرة.

21سبتمبر

ترجمة: لبنان، الحشيش والحرب

هذه ترجمة لمقاطع من كتاب مارتن بُوث “القِنَّب في التاريخ” عن تاريخ نبتة الحشيش:

كان لبنان المزوِّد الاخصب للحشيش بالمنطقة في الستينات والثمانينات، رغم الحظر الرسمي للحشيش. كان الحشيش اللبناني يُميَّز بتعبئته في اكياس بيضاء من القطن او الكَتّان، وتُختم الاكياس بعلامات تجارية بسيطة كالاسد او النجمة والهلال او شجرة الأرْز، وعلامة الأرْز مثّلت أفضل حشيش عند الغرب وعرفوه بالذهب اللبناني.

منذ بداية الخمسينات، كان لبنان وسوريا ينتجان معاً ٣٠٠ طن حشيش سنويا، بينما كان المستهلكون من السكان أقل من ١٪ في ١٩٧٦. كما كان شائعا في المجتمعات الاسلامية، لم يدخن الحشيش الا الرجال، وكانوا يدخنون بالنارجيلة وفي السر.

منطقة الزراعة الرئيسة كانت وادي البقاع، حيث أقامت عشائر الدنادشة [الشيعية] مجتمعا زراعيا. حدثت محاولات في منتصف الستينات لجعل الدنادشة يزرعون محاصيل بديلة كعبّاد الشمس، ولم يتحمس المزارعون. حتى مع دعم الاسعار، فضلوا القِنَّب الذي استهلكت زراعته جهدا ومالاً أقل. استمرت الزراعة، أحيانا بين حقول نبات عبّاد الشمس الطويل الذي ستر المحصول الحقيقي عن الجميع الا المراقب من الجو.

تجارة الحشيش محلياً و (الاهم من ذلك) للتصدير أكسبت عدة فصائل دينية وسياسية أموال كثيرة، في بلد كان مقسَّما إجتماعيا وعرقيا. عندما اندلعت الحرب الاهلية بين المسلمين والمسيحين في ١٩٧٥، كان عند الجماعات المقاتلة عتاد حربي كبير. وبعدما سيطرت الحرب وانهار الاقتصاد، صار الحشيش مصدر الدخل الحقيقي الوحيد. زراعة الحشيش صارت عمليّاً البند الوحيد في الناتج المحلي الاجمالي، وموّلت تجارة السلاح والقتال.

كان التصدير اساسيا، وجزءٌ مُعتَبرٌ منه ذهب لمصر. والكثير هُرّب للغرب، خاصة أوروبا. مزارعوا القِنَّب الشيعة (وهم من المتعصبين للاسلام) كانوا ايضا يبيعون الحشيش لاسرائيل، العدو المقاتل لرفيقهم حزب الله، الجماعة العربية المسلحة التي حاربت سعياً لدولة فلسطينية عربية.

وكشف مقال في صحفية التايمز في ١٩٩٦ خطة للموساد الاسرائيلي لشراء حشيش لبناني وتوزيعه في مصر بعد حرب الايام الستة عام ١٩٦٧. رُمِزَ للعملية بـ لاهاڤ (أي الشفرة)، وباعت حشيشا لتجار مخدرات مصريين قرب قواعد للمجندين. كان الغرض إضعاف الجيش المصري. واستمرت عملية الشفرة طوال الحرب الاهلية اللبنانية وبعد انتهائها (في ١٩٧٩) بفترة، وبالتالي كانت اسرائيل مسئولة عن تمويل الجماعات المقاتلة قبل بدء الحرب الاهلية، واطالة تلك الحرب، و (بشكل غير مباشر) تمويل القتال جزئيا، و (في نفس الوقت) العمل في تجارة المخدرات الدولية، مخالِفةً الاتفاقية الوحيدة للمخدرات من الامم المتحدة. ولأن اسرائيل اختارت إهمال عدة قرارات من الامم المتحدة بالنسبة لحقوق العرب الفلسطينين، وتجاهلت اتهامها باعتداءات وحشية ضدهم، فإن اهمال الاتفاقية الوحيدة لم يكن امرا عظيما.

في ١٩٧٠، مثّلت افغانستان ٣٠٪ من انتاج الحشيش العالمي، ولبنان ٢٥٪، وباكستان ٢٠٪. وبعد عشر سنوات، اظهرت الارقام ان لبنان اعطى ٣٥٪، يتبعه باكستان (٢٥٪)، ثم المغرب (٢٠٪).

10أغسطس

ابطال رسوم الاطفال والشخصيات الدينية

ابتكر نايف المطوع شخصيات خارقة للاطفال تقابل سوبرمان وغيره، وفكرته هي الـ ٩٩ شخصية (بعدد اسماء الله الحسنى) التي تشكل فريقا بطوليا يحاول تقديم قيم اسلامية ايجابية للجميع. حاز هذا العمل السبّاق اهتماما عالميا واسعا، فامتدحه الرئيس اوباما وحصل على عدة جوائز.

في بداية تعريفه بالـ ٩٩ لجمهور TED، ذكر المطوع ان شخصيات خارقة اقتبسها مبتكروها من التراث الديني، واعطى الامثلة التالية:

– باتمان وسوبرمان اقتبسهما يهوديان من التوراة.

– مثل الانبياء، فقدَ الابطال الخارقون آبائهم، فوالدا سوبرمان ماتا قبل اكماله السنة، و باتمان فقَد والديه قبل السادسة، و سبايدرمان ربته عمته.

– كما تلقى الانبياء رسالاتهم من السماء، فان كل الشخصيات الخارقة أخذت رسائلها من الاعلى. تلقى سبايدرمان رسالته بلسعة عنكبوت هبط له في مكتبة، و باتمان نزل له خفاش وهو في غرفة نومه. اما سوبرمان فانه لم يُرسَل من السماء فقط، بل أرسِل وهو رضيع داخل قذيفة، وكأنه موسى يُترك في النهر، وقال والده عند ارساله: “ارسَلت لكم ابني الوحيد”، في مقاربة لصورة عيسى في المسيحية.

والد سوبرمان  يرسله للارض في قذيفة

ملاحظات المطوع صحيحة، لكن نتيجته خاطئة. ابطال رسوم الاطفال يشبهون الشخصيات التوراتية، لكنهم لم يُقتبسوا (بالضرورة) من قصص الانبياء. ان كل الابطال (في القصص الديني وخارجه) تتشابه صفاتهم، ورحلتهم البطولية (من الميلاد حتى النهاية) تمر بمفاصل متشابهة، لا تخرج عن ذلك قصة نبي في كتاب مقدس أو مجرد غزال في أسطورة أفريقية قديمة. ما يبدو شخصا أو حدثا خاصا هو قطعة من نسيج حاكه واستلذه كل البشر في كل الازمنة، فهو بقِدَم ذاكرة البشر، ولو سألنا والتر بركيت لربما اقسم ان صورة وسيرة البطل ورثهما الانسان من جينات اجداده!

في كتابه الشهير “البطل ذو الألف وجه“، درس جوزيف كامبل اساطير البطولة لدى الشعوب، ولاحظ تشابهها. مثل هوليوود (شيخ حكواتية زماننا)، تُسمعنا تلك القصص ما نحب، لانها (هي ايضا) تريدنا ان نتلقاها وننقلها بشغف دائم. لم تأخذ بطولاتُ هوليوود ورسومُ الاطفال فكرتها من الكتب المقدسة، بل ان الجميع رجع لنسق البطولة المحفوظ في اللاوعي الجمعي للبشر، كما اقترح كارل جونك الذي تأثر به كامبل.

وضعُ سوبرمان الرضيع في قذيفة هو نسق متكرر في أساطير البطولة يسميه كامبل “نفي وعودة الرضيع”. هذا موجز لأمثلة قدمها كامبل، مع تعليقات مني:

١) الملك سرجون الاكادي (٢٣٠٠-٢٢١٥ ق م): القائد الشهير هو ابن امٍ وَضِيعةٍ وأبٍ مجهول، وأخفت والدته حمله وولادته عن بطش الملك، وتركته في سلة بنهر الفرات، ثم التقطه عامل بقصر الملك، فتربى في القصر وكبر ليغلب الملك.
كُتبت اقدم نصوص التوراة نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي ان قصة سرجون سبقت التوارة بنحو ١٣٠٠ عام.

٢) شاندراجوبتا (٣٤٠-٢٩٨ ق م): مؤسس سلالة موريا الهندوسية هو ابن خطيئة لام وضيعة واب نبيل، وقد تُرك في جرة عند حظيرة بقر، ليكتشفه راع ويربيه.
آنذاك، لم تعرف الهندُ اليهوديةَ لتتأثر بها.

٣) البابا جرجوري (٥٤٠-٦٠٤ م): ابن خطيئة من توأمين نبيلين. وضعته أمه في تابوت والقته في النهر، ثم التقطه ورباه صيادون.

وفي هذه الامثلة (وغيرها) يعيش البطل بلا أب (ولا نسل)، لان اباه ميت أو مجهول، فدور الاب في سيرة البطل لا يتجاوز الاختفاء بعد تقديم البطل للوجود.

و لحظة تلقي الرسالة (التي اشار لها المطوع) هي من اهم مشاهد سيرة البطولة. يأتي نداء البطولة من السماء، كما تأتي الهداية (بالنور والنجوم) والحياة (بالشمس والمطر) والغضب، فالرب هو “العالي” كما سماه اهل الهلال الخصيب، و هو من ارتبطت المرتفعات بمعابده وعبادته. و يزيد كامبل، عادة ما تُبلغ الرسالةَ قُوةٌ مجهولة ومخيفة، و ينكرُ البطلُ الامر ليعود لحياته القديمه، لكن تظهر علامات تؤيد البلاغ فيقبله. ويستعير كامبل اقتراح فرويد بان كل لحظات التوتر تعيد خلق المشاعر المؤلمة للحظة الانفصال عن الام (كضيق النفس واحتقان الدم)، فكأن البطل يواجه “أزمة ولادة” للانفصال عن جسد حياته وقبول سيرة جديدة.

أخذ كامبل من جيمس فريزر عالمية النموذج الاسطوري، ففريزر كان المرجعية المؤثرة لدراسة الاساطير والطقوس العالمية، ففرويد (مثلا) استند على فريزر في كتابه الشهير “الطوطم والتابو“، بل ان مادتي “طوطم” و “تابو” كتبهما فريزر للموسوعة البريطانية. وقد دفع فريزر لتخصصه استاذُ اللغة العربية في كامبردج روبرتسن سميث، الذي وظف اتقانه للغات الساميّة و التوراة واعمال فريزر لدراسة الاسطورة والطقوس في السياق السامِيّ، فقدم اعمالا أهمها “ديانة الساميين”، وليتنا نترجم كتابه عن الزواج والقربى عند عرب الجاهلية (“القربى والزواج في الجزيرة العربية المبكرة”)، فسعة اطلاعه وحضور رأيه يستحقان العرض والنقاش. ان غياب نسخة عربية سمح لـ”اقتباسات” كبيرة (باسلوب الاستعارة المنتهية بالتمليك!)، كما فعل اسماعيل أدهم في “من مصادر التاريخ الإسلامي” مستغلا (كغيره) حداثة اتصالنا بآراء الغرب والفجوة التعليمية الكبيرة في العالم العربي آنذاك.

بحَث المطوع عن شخصيات الرسوم في الكتب المقدسة، وهذا خيار سهل له وجمهوره، ونتيجته تجعل الـ ٩٩ بديلا اسلاميا لشخصيات يهودية و مسيحية. كما ان حديث المطوع يأخذ لأبعد من رسالة الحب التي أرادها، ففينا من سيفهم ان شخصيات الرسوم تبشر اطفالنا لاديان أخرى، فنبدأ حربا مقدسة كرتونية جديدة. لكن المطوع أخطأ، فسيرة البطولة أقدم و اوسع من الكتب المقدسة، فكل شعب نسج بطله، و إذا بهم يرسمون بطلا واحدا بالف اسم.

30يوليو

تاروت و مصر القديمة

تقديم

يحتمل مايكل رايس اتصال مصر القديمة بجزيرة تاروت في شرق السعودية، فدراسته لاثار المنطقتين اعطته قرائن على صلات بينهما تعود للالف الثالث قبل الميلاد.

هدف المقال هو التعريف المبسط بكتاب رايس (و الافكار ذات العلاقة) كبحث متصل بتاروت، فقد يفيد الكتاب متتبعي تاريخ تاروت، وان احتاجوا التدقيق في ملاحظات رايس التي يقدمها هو نفسه بتحفظ شديد.

اقتبستُ وترجمت بتصرف المواد ذات الصلة بتاروت في كتاب مايكل رايس “صُنع مِصر. أصول مصر القديمة 5000 – 2000 ق م”، وأضفت توضيحات بين أقواس مربعة و هوامش إيضاحية من مصادر أخرى.

اقتباسات

يرى رايس في عاجِيّات هيراكونبوليس اوضح الادلة على انتقال تقنيات فنية عِيلامية لمصر، فأحد النُحوت يصور ريش عدة طيور بشكل مطابق لصورة إمدُكُد من تاروت. الريش في النقشين مطابق لدرجة يستحيل فيها الاعتقاد ان التقليد او الصدفة تركا ذلك الاثر على عاجيّات هيراكونبوليس. الأقرب ان النقش المصري صنعه حِرْفي شرقي [من غرب آسيا]، أو مصري تدرب عند حِرْفِيّين مُلمّين بالتقنيات العيلامية، أو (على الاقل) مصري اطّلع على تلك التقنيات. ان اوجه التماثل مدهشة بين عاجيات هيراكونبوليس ومنحوتات تاروت. [رايس:82]

إن كل المواقع المصرية الكبرى في فترة ماقبل الأسرات تركت مصنوعات من اللازورد. إحدى أهم القطع (وهي من هيراكونبوليس) تُمثل امرأة عارية تضم يديها امامها في وضع سائد في مابين النهرين أكثر من مصر. يُقترح افتراض ان القطعة صُنعت في الخليج العربي. قد لا نجد شبيها للتمثال عند فنان مصري، الا ان التشابه عظيم بينه و مجسم من تاروت يُنسب للالف الثالث قبل الميلاد. يجسد تمثال تاروت عجوزا يلتحف عباءة، وتفوق مهارة صنعه مجسم هيراكونبوليس، لكن الشك ضئيل في ترابطهما. يتشابه الاثنان في التعامل مع تجاويف سميكة وعميقة للأعيُن، ويشتركان في الجو الانفعالي. من الصعب انكار أن التمثالين جاءا من تراث واحد او من تراثين متقاربين جدا. [رايس:92]

تمثال هيراكونبوليس. (المصدر: المتحف الاشمولي باكسفورد، بريطانيا.)
تمثال تاروت. (المصدر: المتحف الوطني السعودي)

رغم أن احتمال غزو من آسيا الغربية لمصر في ماقبل الأسرات مستبعد عادة، الا ان علينا ملاحظة أن رأس صولجان حكام مصر في نقادة الأول  كان اسطوانيا، ثم تغير فجأة لشكل الأجاص لدى حكام هيراكونبوليس في ماقبل الأسرات المتأخر، واستمر شكله كذلك. ووُجد رأس صولجان بشكل أجاص في تاروت، ونُسب لبداية الألف الثالث قبل الميلاد. [رايس:102]

رأس صولجان اسطواني من نقادة الأول. (المصدر: مايكل رايس.)
رأس صولجان بشكل أجاص من ماقبل الأسرات المتأخرة. (المصدر: مايكل رايس.)
رأس صولجان بشكل أجاص من تاروت. (المصدر: المتحف الوطني بالرياض، السعودية.)

أقدم اشارة كتابية لديلمون تعود لـ 3000 ق م، في الواح مدينة الوركاء [في مابين النهرين]، وهذه الالواح هي أقدم كتابات في العالم. تسرد الالواح اسماء دول (منها ديلمون) مرتبة حسب بعدها عن الوركاء. والاقرب ان ديلمون في ذلك الوقت كان شرق الجزيرة العربية [وليس جزيرة البحرين] الذي عادة ما أعتُبر جزءا من ديلمون في فترة لاحقة، اذ لا توجد آثار صريحة لاستيطان في البحرين في زمن تلك الالواح (من الالف الرابع أو بداية الالف الثالث)، بينما وُجدت مواد من بداية الألف الثالث وبكميات كبيرة في شرق الجزيرة العربية.

يبدو أن هناك استيطان مبكر هام في بقيق وتاروت في شرق الجزيرة العربية، واستيطان الجزر هو من ابرز خصائص بداية السكن في الخليج العربي. لم تستكشف تاروت بكثافة حتى الان، لكن التنقيبات الدنماركية (التي بدأت في خمسينات و ستينات القرن الماضي) قدمت أدلة قوية على استيطان مبكر من الطبقات العليا لتاروت، مما يعني تاريخ استيطان قديم. [رايس:237]

خاتمة

ما كُتب عن تاروت (مع أهميته) هو تاريخ الهامش، فتاريخها قبل الميلاد هو (في معظمه) شهادة حجارة الحضارات الأخرى، وتاريخها حتى العباسيين هو شهادة سجلات الخراج والخوارج. وفي الحالين، هو موقف الآخر أو المركز من الهامش، أكان الأخر هو البحرين أو مابين النهرين في ما قبل الميلاد، أو كان المركز هو بغداد ودمشق والقاهرة في ما بعد الهجرة. وتظل شهادة تاروت نفسها غائبة، حتى نستنطقها كما فعلنا مع شركائها الحضاريين.

إن رجحت  احتمالات رايس عن أصول القطع الأثرية المصرية أو تقنيتها، فيجب التأكد من أن مصدرها تاروت و ليس حضارة أخرى اتفقت معها في التقنيات. ولترجيح تلك الآراء تبعات كثيرة، فهو يعيد تقديرنا لقدرات تاروت القديمة في الصناعة والتجارة والمِلاحة. وبروز تاروت في هذه المجالات (إن رجحه الدليل)  يثير أسئلة أخرى عن التقنيات والفنون والقوانين (مثلا) التي جعلت ذلك الانجاز ممكنا. وفي كل الحالات، نحتاج جهدا مضاعفا من باحثين ماهرين لنتعدى محطة “ساحل الذهب الاسود”، ونؤسس تأريخا يتجاوز  “ديلمون” و”عشتار” و”يمرون بالدهنا..”

هوامش

مايكل رايس (Michael Rice): دبلوماسي بريطاني وباحث في آثار الخليج و مصر. له مؤلفات كثيرة في سياسة الشرق الأوسط و التاريخ القديم للخليج ومصر، تُرجم بعضها للعربية. تأثرت اعماله بمنهج كارل جونك في التحليل النفسي. أسس في 1969 شركة Michael Rice and Company للعلاقات العامة والمتاحف، وخططت الشركة متاحف في عدة دول محلية (كالبحرين والسعودية وقطر). منحته البحرين وسام الدولة من الدرجة الاولى عام 2003، و هو يرأس جمعية الصداقة البحرينية البريطانية منذ 1999.

مايكل رايس

تاروت (Tarut): جزيرة سعودية بالخليج (انظر الخارطة). هي من اوائل حواضر شرق الجزيرة العربية، اذ تعود للالف الثالث قبل الميلاد. كانت مركزا رئيسا في حضارات المنطقة القديمة، كالعراق (مابين النهرين) وايران (عيلام) وشرق العربية (البحرين). برزت تاروت في الصناعة والمِلاحة، وتمتع ميناؤها بشبكة تجارية واسعة.

مصر القديمة (Ancient Egypt): بدأ الاستقرار البشري في مصر نحو 5000 سنة قبل الميلاد. آنذاك، كانت مُدن مابين النهرين (بين دجلة والفرات في العراق) قد أسست حضارة الإنسان الأولى، وكانت البشرية تخلو من التمدن إلا في حواضر مابين النهرين ومصر. وتعرفت مصر على حضارة مابين النهرين (بامتدادها في الخليج) وباقي حضارات غرب آسيا (كعيِلام في إيران وديلمون في الخليج العربي) وتبادلت التجارة والثقافة معها.

و تاريخ مصر القديمة هو من فترتين رئيستين: مصر ما قبل الفراعنة أو فترة ما قبل الأسرات الفرعونية، و فترة الأسرات (Dynastic) التي توحدت فيها مصر تحت حكم أسر من الملوك أو الفراعنة. و تنقسم كل فترة من هاتين لفترات اصغر.

ماقبل الأسرات (Predynastic): الفترة (5500 – 3100 ق م) التي سبقت قيام مصر الفرعونية. كانت مصر مجزئة لمصر العليا (جنوب مصر) و مصر الدنيا (شمالها)، قبل ان توحدها أسرات الفراعنة. و تنقسم فترة ماقبل الأسرات لثلاث فترات: نََقادة الأولى (4400 – 3500 ق م) و الثانية (3500 – 3200 ق م) و الثالثة (3200 – 3000 ق م).

في القرن التاسع عشر، ساد رأي بأن مصر الفرعونية أسسها محتلون من غرب آسيا، أي أن عِرق الحكام الفراعنة ليس مصريا. إن المعلومات الأثرية الحالية ترفض نظرية العِرق الحاكم، و لا يتبناها اغلب الباحثين المعاصرين، و منهم رايس.

هيراكونبوليس (Hierakonpolis): مدينة من أوائل حواضر مصر القديمة وأهمها، اذ تعود لـ 4000 ق م. كانت عاصمة مصر العليا (جنوب مصر)، و موقعها بين الاقصر و اسوان في مصر المعاصرة (انظر الخارطة).

عيلام (Elam): حضارة نشأت في جنوب غرب ايران، و هي من اقدم الحضارات البشرية (2700 – 539 ق م)، و تعتبر بداية التاريخ الايراني.


Map showing the area of the Elamite Empire (in red) and the neighboring areas. The approximate Bronze Age extension of the Persian Gulf is shown.
إمدُكُد (Imdugud): كائن خرافي بجسد نسر و رأس أسد، آمن السومريون (في مابين النهرين) أنه طاثر رياح الجنوب الالهي، الذي يصنع العواصف بجناحيه وزئيره.

امدكد

21أغسطس

“الرسالة الذهبية” ليست للإمام الرضا

“الرسالة الذهبية” كتاب مختصر في الطب منسوب للإمام علي بن موسى الرضا (153-203هـ). تبرز أهمية هذا العمل (إذا صحت نسبته للرضا) في جانبين:

1) لمؤرخي الطب العربي: الرسالة هي أقدم كتاب في الطب كتبه عربي أو مسلم [البار:142].
2) للمسلمين الشيعة: العمل دليل على تفوق الإمام الرضا (الامام الثامن عند الشيعة الاثناعشرية) على أهل زمانه، و اكتسابه معارف إلهية (لم يتعلمها من البشر) أيّدها العلم الحديث.

لكني أؤمن أن الرسالة لا تصلح لأي من الغرضين، فهي عمل منحول.

تقول الرسالة أن المأمون طلب من الرضا كتابتها بعد مجلس حضره أفضل أطباء الدولة [نجف:5-8]، و أُعجب بها المأمون فأمر بكتابتها بالذهب، فسُمّيت بالذهبية [نجف:67]. إسم الرسالة و سببه يطابقان ما رُوي عن الرسالة الذهبية لفيتاغورس التي “سميت بهذا الاسم لأن جالينوس كان يكتبها بالذهب إعظاماً لها” [إبن أبي أصيبعة:36].

رغم تبني الخليفة لها و أهميتها العلمية و احترام المؤرخين الواضح للرضا إلا أنها ذُكرت لأول مرة بعد وفاة الرضا بنحو 200 عام. لا أجد مبرراُ لهذا الصمت التام سوى جهل الجميع بالرسالة. حتى أعيان الشيعة كانوا يجهلونها، إذ لا يذكرها إبن بابويه القمي (311-381هـ) في “عيون أخبار الرضا” و لا معاصره إبن النديم (325-385هـ) في فِهرسته.

قدّم لنا أبو جعفر الطوسي (385-460هـ) في “الفِهرست” أول إشارة لها بإسم “الرسالة المذهبة” [الطوسي:9: 146]عندما عدّد مصنفات راوي الرسالة (أبو عبدالله محمد بن الحسن بن جمهور العمي البصري). و مع دخول الألف الأول الهجري، إنتشرت و تعددت نسخها بـ”اختلاف فاحش” [المجلسي:59: 309] (إستمر لليوم)، و برز إحتفاءُ مفكري الشيعة بها، إذ ظهرت 16 ترجمة و شرحا بعدة لغات [الطهراني:10: 266]. تأخُر ظهور الرسالة و إختلاف نصها دليلان على أن أنها كُتبت في زمن متأخر و استمر تحريرها لعدة عقود، فهي نص منحول تغيّر بلا قيود.

ما كان فقهاء الشيعة سيحتفون بالرسالة لو حاكموها كباقي روايات محمد بن الحسن بن جمهور، فهو “ضعيف في الحديث، فاسد المذهب، و قيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها” [النجاشي:20: 337] و “لا يُكتب حديثه، ولا يُعتمد على ما يرويه” [الحِلِّي:251]، و يُعتبر ممن أضرت رواياتهم [الحسني:196] و عقائدهم [جعفريان] بالموروث الشيعي. رُوي أنه كان يحلل الحرام [جعفريان]، و قد فعل منتحِل الرسالة ذلك عندما نسب للرضا شرابا “حلالا” يُحضَّر بطبخ الزبيب ثم تقطيره ثم تخميره مختوما لثلاثة أشهر [نجف:21-25]، و تنصح الرسالة (على لسان الرضا) أن يُخفف الشراب بالماء عند شربه (“الشربة منه قََدر أوقية بأوقيتين ماء” [نجف:25]).

الرسالة مليئة بالأخطاء العلمية. مثلا، تقول الرسالة:

“فإن الماء البارد، بعد أكل السمك الطري يورث الفالج. و أكل الاترج بالليل يقلُب العين و يورث الحول، و إتيان المرأة الحائض يولد الجذام في الولد، و الجماع من غير إهراق الماء على إثره يورث الحصاة. و الجماع بعد الجماع من غير أن يكون بينهما غسل يورث للولد الجنون ان غفل عن الغسل.” [نجف:26]

الجمع بين الماء البارد و السمك الطري مستمر عند سكان السواحل، ولم تسجل المستشفيات حالة فالج واحدة سببها ذلك. أما الحَول فليس من أسبابه أكل الاترج في الليل. و لا تحمل المرأة أثناء الحيض، ناهيك عن إصابة مولود بمرض جلدي (كالجذام) بسبب وقت جماع والديه. أما حصاة المثانة فلا يسببها إمساك (عدم إهراق) المني عند الجماع. و عيوب المواليد الخَلقية لا يسببها إمتناع الوالدين عن الغُسل بين كل جِماعين.

تفترض الرسالة أن الانسان أضعف من أي آلة خلقها البشر، فهو يتلف لأتفه الأسباب (كأكل الاترج بالليل و الخلط بين السمك و الماء). وهي تسيء للدين بإرجاع الأمراض الخبيثة لمخالفة الشرع (الجذام سببه مجامعة الحائض و الجنون سببه ترك غسل الجنابة و الخ)، و إن قدّم أدبُ “مِن البسطاء إلى البسطاء” يقيناً ضروريا للمؤمن البسيط، فإن نتائجه مدمرة إذا تبنته النخبة.

رغم طعن رجال الحديث لراوي الرسالة و أخطائها الطبية الكثيرة، إلا أن تكريم فقهاء الشيعة لها وصل لدرجة إستخدامها مصدرا للتشريع، فـ”العروة الوثقى” تفتي بإستحباب الغُسل “لإرادة العَودِ إلى الجِماع، لما نُقل عن الرسالة الذهبية: أن الجِماع بعد الجِماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد” [اليزدي:1: 370]، ولا يعترض على الفتوى أيٌ من الفقهاء الكثيرين الذين علقوا على الكتاب. كم فتوى أخرى إعتمدت على مَن “لا يُكتبُ حديثه، ولا يُعتمد على ما يرويه”؟ لماذا يرى الفقيه أن منع أولادنا من الجنون مستحبٌ وليس واجب؟

لا تخدم أفكار الرسالة موقف المسلمين الشيعة، فالمعرفة التي تقدمها ليست إلهية بالتأكيد. و أرى أنها لا تخدم موقف مؤرخي الطب العربي (كمحمد علي البار) أيضا، فالنص منحول ولا يحمل قيمة تاريخية.

::. علي آل عمران

المراجع:

1) ابن أبي أصيبعة (أحمد بن القاسم)، “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”.
2) البار (محمد علي)، “الإمام علي الرضا و رسالته في الطب النبوي”.
3) جعفريان (رسول)، “أكذوبة تحريف القرآن، بين الشيعة و السنة”.
4) الحسني (هاشم معروف)، “دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري”.
5) الحِلِّي (جمال الدين الحسن بن يوسف)، “خلاصة الرجال”.
6) زيني (صاحب)، “طب الرضا”، تقديم مرتضى العسكري.
7) الطهراني (آقا بزرگ)، “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”.
8) الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن)، “الفهرست”.
9) القمي (محمد بن بابويه)، “عيون أخبار الرضا”.
10) المجلسي (محمد باقر)، “بحار الأنوار”.
11) النجاشي (أحمد بن علي)، “رجال النجاشي”.
12) نجف (محمد مهدي)، “رسالة الإمام الرضا الذهبية في الطب و الوقاية”.
13) اليزدي (محمد كاظم)، “العروة الوثقى”.

© Copyright 2013, All Rights Reserved