‎الكاتب: علي آل عمران

4أكتوبر

دمج شرقي

تجذبني موسيقى الدمج، وخاصة الدمج الشرقي (oriental fusion)، واظن ان هذا النمط عانى من قلة الاعمال الجميلة و قلة اهتمام الجمهور. موسيقى الدمج تصهر عدة انماط موسيقية معا، وانا اهتم فقط بالدمج بين موسيقى الشعوب كعمل جمالي يزاوج عدة ثقافات، واهتمام هذا المقال هو عرض نماذج لدمج الموسيقى العربية بالغربية.

تقديم

الشرق هو صندوق العجائب الذي لا يُحسن الغربُ تركَه. سطوة هذا الطلسم الشرقي تتسع للموسيقى، والتوابل التي تكاد تجعل الكاري طعام بريطانيا الوطني، والعقائد التي جعلت ستيف جبز يفكر في الاعتكاف كراهب بوذي بدل تأسيس أبل، وكل شيء..

البريطاني Ron Goodwin هو مثال لمن سكنتهم روح الشرق، لتعزف اوركستراه للرحابنة في ألبومه Salute to Lebanon (١٩٦٢)، وتصبح قراءته لـ”بكرا بيجي نيسان” أحد أجمل المقاطع العالمية:

وعلاقة الغرب بالموسيقى العربية أوسع من عزفها (كتجربة Ron Goodwin) أو دمجها (كما سنعرض لاحقا)، فالموسيقى العربية دخلت أوروبا مع الأمويين لتظل هناك. انتفض الاسبان ضد بعض آثار العرب، و أغلقوا حمامات الاستحمام انكارا لبدعة الطهارة، لكن الموسيقى العربية احتمت بالقصر والكنيسة، ثم ساهمت بروحها للفلامنكو، والفلامنكو تفضل “قيثارة” الاندلسيين التي حرّفها الاسبان لـ”جيتار”. نبض الموسيقى العربية باق بالفلامنكو، كهذا المقطع للالماني Govi:

موزار المصري

قد يكون الفرنسي Hughes de Courson أكثر من بذل للمزج الشرقي، وقدم البومين (في ١٩٩٧ و ٢٠٠٨) ضمن مشروع يقارب الموسيقى الشعبية المصرية وموزار. في عمليه الرائدين، شارك عازفون مصريون مهمون (كعبده داغر) والاوركسترا البلغارية.

في صغره، رفض والداه ان يصبح موسيقيا، لكنه برع في الموسيقى الشعبية الفرنسية وتوسع لموسيقى الشعوب. مكّنته جائزة ليوناردو دافنشي من قضاء ٣ سنين لتعلم الموسيقى بمصر واليمن وسوريا واسرائيل وتركيا ودول متوسطية. ولأنه علّم نفسه الموسيقى، لم يستمع للموسيقى الكلاسيكية قبل سن ٤٥، ورغم ذلك كان البومه “موزار المصري” أحد أكثر الالبومات مبيعا بفيرجن كلاسيك، وانظم مزجه للـ ”السيمفونية المصرية رقم ٢٥ لموزار” لأجمل المقطوعات:

انت عمري

ماردو النور ذو سيرة مدهشة، فهذا العراقي النيوزلندي هجر الطب لانتاج الموسيقى والرسم والتصوير. ومع انه لم يكتب نوته من قبل، وقّع عقدا مع EMI لتوزيع البومه الاول بعد ٦ شهور، وتوالت مفاجآت قدَره في الرسم وانتاج الافلام ايضا.

رغم ان ماردو انتج ٤ البومات، كانت “انت عمري” الابرز دائما، وتبدو كفخ لا ينفذ منه، وكأنها “الخبز الحافي” التي نذر محمد شكري عمره للتفوق عليها! ماردو اعاد خلق “انت عمري” من طين الغرب، ثم نفخ فيها من روحه الشرقية:

بهو الشاه

أنتج اللبناني جان معوض لسيد مراد، لكن البومه Shah Lounge يقدم رؤية أرقى لموسيقى الدمج، وفيه قدم أثنتين من أجمل أعمال المزج الشرقي: Ain't No Sunshine و Perhaps, Perhaps, Perhaps.

غنى بيل ويِثَرز Ain't No Sunshine (لا اشراقة شمس!) في ١٩٧١. بعدها بعام، غناها بتفوق مدهش صبي في الثالثة عشر يدعى مايكل جاكسون. معوض صَهَر Ain't No Sunshine في قالب شرقي جميل:

ألّف الكوبي Osvaldo Farres أغنية “Quizás, Quizás, Quizás” بالاسبانية في ١٩٤٧، ولم يكن قد قرأ أو كتب نوتة موسيقية آنذاك، ثم انتقلت للانجليزية (Perhaps, Perhaps, Perhaps) وانتشرت بسرعة بين المغنين والافلام بعدة ثقافات. وقد تأثر بها موسيقيون عرب مبكرا، فاستوحى منها الجزائري عبدالحكيم جرامي أغنية الراي “شهلة العياني” في ١٩٥٨. وحديثا، اقتبس منها جان ماري رياشي اغنية “بالعكس”.
معوض لم ينقل الاغنية للعود، بل اعادها له، ليقدم قراءة شرقية تنافس الاصل:

ابن السبيل الحافي!

في ٢٠٠٥، أسس العازف والمغني الاميركي برينان جيلمور وعازف العود التونسي رياض الفهري فرقة قنطرة، بمشاركة آخرين من البلدين، فظهرت فرقة تمزج بين الثقافتين: الموسيقى العربية وموسيقى ريف الشرق الاميركي. في البوم “قنطرة” الوحيد، تبرز أغنية Wayfaring Stranger:

“لما بدا يتثنى”، على ثلاث قراءآت

أحب موشَّح “لما بدا يتثنى” و (خصوصا) تجسُّداته في موسيقى الدمج، كهذه:

– قراءة Hughes de Courson:

– قراءة جين ماري رياشي:

– قراءة اللبناني شربل روحانا:

ما بعد الفن!

من قرية المفتاحة التشكيلية بعسير الى مزاد كريستين، صعدت آعمال التشكيلي السعودي عبدالناصر غارم بتنوع أساليبها وجرأتها وشحنتها الثقافية، لتشمل انجازاته أعلى سعر لعمل فني عربي.

لعبدالناصر تجربة موسيقية جريئة ومغمورة، سمّاها Post Art، وهي ٦ مقطوعات تقارِب بين الجاز والموسيقى الشعبية بعسير، هذه أحدها:

من لطف الله أن كمال صليبي لم يعرف Post Art! غوى عبدُالله بن خميس كمالَ صليبي بمعاجم جغرافية الجزيرة العربية، فكتب صليبي ان “التوراة جاءت من جزيرة العرب”! ولو عرف صليبي Post Art لقال ان “الجاز جاءت من جزيرة العرب”!

17سبتمبر

الانضباط هو عائق السعودة الاول

إنضباط الشاب السعودي هو عائق السعودة الاول، وليس المعرفة الاكاديمية أو المهارة الحرفية. و الانضباط (discipline) هو عائق الانتاجية الاول في الشرق الاوسط، وهو سبب تخلفنا الانتاجي – الابداعي مقارنة بالمناطق الاخرى في العالم. الشعوب الاكثر انتاجا ليست أكثر ذكاء، فالذكاء لا يصنعه المكان او الجنس او العقيدة، بل هو مادة خام موجودة بكل دولة بما يكفي حاجتها التنموية. ثم ان المؤسسات (كالدول و الشركات) لا تحتاج الا القليل من الاذكياء المنضبطين في المهام الابداعية (كالقيادة و الابحاث والتطوير)، أما اغلب العاملين فلا يحتاجون سوى الانضباط لتشغيل المؤسسة بكفاءة. الانضباط هو العامل المشترك بين كل الدول العالية الانتاج، وليس انخفاض الفساد و البيروقراطية أو ارتفاع الديموقراطية و الليبرالية.

الانضباط هو ان يتحمل الفرد مسؤولياته بلا تقصير وصلاحياته بلا تعدي، ويشمل ذلك (ضمنا) الالتزام بمسؤوليات وصلاحيات الاخرين في المؤسسة، دون الخلط بين دوره في المؤسسة و خارجها. هذه هي القيمة الاساسية التي تزرعها المجتمعات المنتجة في افرادها، من البيت للجامعة، فيحملها الفرد للوظيفة. واذا وجدت المؤسسة عجزا في مهارات الفرد فان انضباطه يعينها على رفع مهارته، فسيقبل النقد ويبذل جهدا في التعلم. وسواء كنا في المؤسسة أو البيت، فاننا نفضل المنضبط القليل المهارة على الماهر القليل الانضباط.

اعراض ضعف الانضباط تظهر في مرحلتين: البحث والعمل. نسبة البطالة بالسعودية هي حوالي ١٠٪ (في الاحصاءات المحافظة جدا)، ولا تكاد تخلو عائلة من عاطلين وعاطلات، لكن قلة من هؤلاء يبحثون عن وظائف باصرار. تجتذب بعض الوظائف اقبالا واسعا، كما تؤكد مشاهد محزنة، لكني اظن ان ذلك العدد هو نسبة قليلة من مجموع العاطلين الصالحين لتلك الوظائف، وهي وظائف تقبل خريجي الثانوية أو أقل، وهم كثيرون افقدهم ضعف انضباطهم (وليس ذكائهم) اكمال تعليمهم. اما في الوظائف المتخصصة، فالوصول للسعودي المناسب يحتاج شهورا من البحث. (من الطريف ان يلجأ سعودي في الرياض لبريطاني في لندن ليجد سعوديا في الرياض.) اعترف بوجود عوامل اخرى، فالتعليم لا يكسب الطالب مهارات التقدم للوظائف، واكبر اسواق الوظيفة بالخليج (السعودية) تفتقر قواعد بيانات وظيفية، كما تفتقر التدريب المتخصص، لكني أرى ان الانضباط يستطيع التغلب على هذا الوضع.

الانضباط هو اهم ما قدمت جامعة الملك فهد و معهد الادارة لمخرجات التعليم، و ما نريده من كل المؤسسات التعليمية هو تعزيز ثقافة الانضباط بصرامة. من المؤسف ان نحمِّل مرحلة التعليم الاخيرة (الجامعات والمعاهد) كامل مسؤولية اصلاح السلوك، وجعله هدفا يسبق المهارات الاكاديمية، لكنها تبقى صمام الامان الاخير قبل سوق العمل. من نواقص هذا الخيار أن الكثير من السعوديين يكتفون بالشهادة الثانوية أو اقل، وغياب التشديد على الانضباط في البيت و المدرسة يحرم هؤلاء من تطوير سلوكهم و يثقل المسؤولية الاجتماعية التي نحملها الجامعات والمعاهد.

بلا شك، نتيجة تمدننا الطارىء هي خليط صعب من التقدم والانتكاسات القِيَميّة، وانضباط الفرد هو احد القيم المتضررة. لنأخذ قريتي البحرية – الزراعية بجوار الخليج كمثال. البحار والغواص عرفا ان التهاون يكلف الحياة، و الغوص مؤسسة تراتبية بانضباط العسكر. اما الزراعة فاعتمدت على حضور المزارع قبل ظهور الشمس واهتمامه المضني بالمحصول والحيوانات طول العام. كما ان الزراعة هناك كانت اقطاعية في الغالب، فالمزارع لم يملك الارض، بل سكنها وادارها مقابل كمية محصول التزم بها للاقطاعي، وقد يخسر مزرعته (اي دخله وسكن عائلته) اذا اخل بالشروط او قدم مزارعٌ آخر التزاما أعلى. اذن، الانضباط ضرورة في البحر و المزرعة، وحدود المسؤوليات والصلاحيات جزء منه. وفي كل الاحوال، لم يتوقع او ينتظر الفرد حلولا لمشاكله من الحكومة أو غيرها. هذه القرية الجميلة الطاهرة تواجه اليوم (كغيرها) تبعات الفقر والجهل، فكثير من شبابها هم خارج اقتصاد بلدهم (وهو أكبر اقتصاد بالشرق الاوسط)، اما لانهم لا يعملون، او يعملون باجور تبقيهم تحت خط الفقر. هؤلاء السعوديون يتكئون على حيلَتي الضعيف: الشكوى و الرجاء.

قيم الانضباط نفعت (وان لم تكف) الاجيال الاولى التي عملت بالمؤسسات الحديثة، لكنها لم تنتقل لاجيال لاحقة. كان الانضباط قيمة يتعلمها الفرد من مجتمعه، فصارت صفة نادرة ضد التراخي العام. اظن ان سبب انتكاس الانضباط هو دخول (وطريقة دخول) الدولة كمستثمر شريك في مشروع تنمية كل شاب، بعد ان كان يحدد مصيره بموارده وظروفه المرتبكة. كممول، شاءت الدولة ان تكون شريكا في الارباح ( أي قصة النجاح)، ففهم الناس انها (ايضا) شريك في الخسائر. فعندما قالت انها سبب التوظيف، فهم الناس انها سبب البطالة ايضا. كما ان عقد الشراكة يُنفّذ بتساهل يحمّل الدولة مسؤوليتي التمويل والنتائج، وتعفي الشاب من المسؤولية بجعله متلق سلبي. يجب على أي حل لهذا المأزق ان يشدد على ان الشراكة مشروطة بالتزام، والاستثمار محدود بنتائج الالتزام. ان وصاية البيت والدولة المسرفة على الاجيال الجديدة اتلفتها، واتلفت البلد.

اغلب دوافع استيراد العمالة خاطئة، ولا يخرجنا من وضعنا الهالك – المهلِك سوى التزامات صلبة من كل الاطراف. لكن القيمة الحقيقية التي نستوردها في العمالة هي الانضباط، فالميكانيكي يتعلم اصلاح سيارة يراها لاول مرة وبعبء قليل على مؤسسته، لأنه يعتبر اتقان الصنعة شرط بقاء، وهكذا يفعل المبرمج والمهندس. قِيمهم تحملّهم وحدهم مسؤولية بقاءهم ونجاحهم، فهم لا يتقنون اللجوء للغير لانهم لم يعرفوا في حياتهم من يلجأون له.

10أغسطس

ابطال رسوم الاطفال والشخصيات الدينية

ابتكر نايف المطوع شخصيات خارقة للاطفال تقابل سوبرمان وغيره، وفكرته هي الـ ٩٩ شخصية (بعدد اسماء الله الحسنى) التي تشكل فريقا بطوليا يحاول تقديم قيم اسلامية ايجابية للجميع. حاز هذا العمل السبّاق اهتماما عالميا واسعا، فامتدحه الرئيس اوباما وحصل على عدة جوائز.

في بداية تعريفه بالـ ٩٩ لجمهور TED، ذكر المطوع ان شخصيات خارقة اقتبسها مبتكروها من التراث الديني، واعطى الامثلة التالية:

– باتمان وسوبرمان اقتبسهما يهوديان من التوراة.

– مثل الانبياء، فقدَ الابطال الخارقون آبائهم، فوالدا سوبرمان ماتا قبل اكماله السنة، و باتمان فقَد والديه قبل السادسة، و سبايدرمان ربته عمته.

– كما تلقى الانبياء رسالاتهم من السماء، فان كل الشخصيات الخارقة أخذت رسائلها من الاعلى. تلقى سبايدرمان رسالته بلسعة عنكبوت هبط له في مكتبة، و باتمان نزل له خفاش وهو في غرفة نومه. اما سوبرمان فانه لم يُرسَل من السماء فقط، بل أرسِل وهو رضيع داخل قذيفة، وكأنه موسى يُترك في النهر، وقال والده عند ارساله: “ارسَلت لكم ابني الوحيد”، في مقاربة لصورة عيسى في المسيحية.

والد سوبرمان  يرسله للارض في قذيفة

ملاحظات المطوع صحيحة، لكن نتيجته خاطئة. ابطال رسوم الاطفال يشبهون الشخصيات التوراتية، لكنهم لم يُقتبسوا (بالضرورة) من قصص الانبياء. ان كل الابطال (في القصص الديني وخارجه) تتشابه صفاتهم، ورحلتهم البطولية (من الميلاد حتى النهاية) تمر بمفاصل متشابهة، لا تخرج عن ذلك قصة نبي في كتاب مقدس أو مجرد غزال في أسطورة أفريقية قديمة. ما يبدو شخصا أو حدثا خاصا هو قطعة من نسيج حاكه واستلذه كل البشر في كل الازمنة، فهو بقِدَم ذاكرة البشر، ولو سألنا والتر بركيت لربما اقسم ان صورة وسيرة البطل ورثهما الانسان من جينات اجداده!

في كتابه الشهير “البطل ذو الألف وجه“، درس جوزيف كامبل اساطير البطولة لدى الشعوب، ولاحظ تشابهها. مثل هوليوود (شيخ حكواتية زماننا)، تُسمعنا تلك القصص ما نحب، لانها (هي ايضا) تريدنا ان نتلقاها وننقلها بشغف دائم. لم تأخذ بطولاتُ هوليوود ورسومُ الاطفال فكرتها من الكتب المقدسة، بل ان الجميع رجع لنسق البطولة المحفوظ في اللاوعي الجمعي للبشر، كما اقترح كارل جونك الذي تأثر به كامبل.

وضعُ سوبرمان الرضيع في قذيفة هو نسق متكرر في أساطير البطولة يسميه كامبل “نفي وعودة الرضيع”. هذا موجز لأمثلة قدمها كامبل، مع تعليقات مني:

١) الملك سرجون الاكادي (٢٣٠٠-٢٢١٥ ق م): القائد الشهير هو ابن امٍ وَضِيعةٍ وأبٍ مجهول، وأخفت والدته حمله وولادته عن بطش الملك، وتركته في سلة بنهر الفرات، ثم التقطه عامل بقصر الملك، فتربى في القصر وكبر ليغلب الملك.
كُتبت اقدم نصوص التوراة نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي ان قصة سرجون سبقت التوارة بنحو ١٣٠٠ عام.

٢) شاندراجوبتا (٣٤٠-٢٩٨ ق م): مؤسس سلالة موريا الهندوسية هو ابن خطيئة لام وضيعة واب نبيل، وقد تُرك في جرة عند حظيرة بقر، ليكتشفه راع ويربيه.
آنذاك، لم تعرف الهندُ اليهوديةَ لتتأثر بها.

٣) البابا جرجوري (٥٤٠-٦٠٤ م): ابن خطيئة من توأمين نبيلين. وضعته أمه في تابوت والقته في النهر، ثم التقطه ورباه صيادون.

وفي هذه الامثلة (وغيرها) يعيش البطل بلا أب (ولا نسل)، لان اباه ميت أو مجهول، فدور الاب في سيرة البطل لا يتجاوز الاختفاء بعد تقديم البطل للوجود.

و لحظة تلقي الرسالة (التي اشار لها المطوع) هي من اهم مشاهد سيرة البطولة. يأتي نداء البطولة من السماء، كما تأتي الهداية (بالنور والنجوم) والحياة (بالشمس والمطر) والغضب، فالرب هو “العالي” كما سماه اهل الهلال الخصيب، و هو من ارتبطت المرتفعات بمعابده وعبادته. و يزيد كامبل، عادة ما تُبلغ الرسالةَ قُوةٌ مجهولة ومخيفة، و ينكرُ البطلُ الامر ليعود لحياته القديمه، لكن تظهر علامات تؤيد البلاغ فيقبله. ويستعير كامبل اقتراح فرويد بان كل لحظات التوتر تعيد خلق المشاعر المؤلمة للحظة الانفصال عن الام (كضيق النفس واحتقان الدم)، فكأن البطل يواجه “أزمة ولادة” للانفصال عن جسد حياته وقبول سيرة جديدة.

أخذ كامبل من جيمس فريزر عالمية النموذج الاسطوري، ففريزر كان المرجعية المؤثرة لدراسة الاساطير والطقوس العالمية، ففرويد (مثلا) استند على فريزر في كتابه الشهير “الطوطم والتابو“، بل ان مادتي “طوطم” و “تابو” كتبهما فريزر للموسوعة البريطانية. وقد دفع فريزر لتخصصه استاذُ اللغة العربية في كامبردج روبرتسن سميث، الذي وظف اتقانه للغات الساميّة و التوراة واعمال فريزر لدراسة الاسطورة والطقوس في السياق السامِيّ، فقدم اعمالا أهمها “ديانة الساميين”، وليتنا نترجم كتابه عن الزواج والقربى عند عرب الجاهلية (“القربى والزواج في الجزيرة العربية المبكرة”)، فسعة اطلاعه وحضور رأيه يستحقان العرض والنقاش. ان غياب نسخة عربية سمح لـ”اقتباسات” كبيرة (باسلوب الاستعارة المنتهية بالتمليك!)، كما فعل اسماعيل أدهم في “من مصادر التاريخ الإسلامي” مستغلا (كغيره) حداثة اتصالنا بآراء الغرب والفجوة التعليمية الكبيرة في العالم العربي آنذاك.

بحَث المطوع عن شخصيات الرسوم في الكتب المقدسة، وهذا خيار سهل له وجمهوره، ونتيجته تجعل الـ ٩٩ بديلا اسلاميا لشخصيات يهودية و مسيحية. كما ان حديث المطوع يأخذ لأبعد من رسالة الحب التي أرادها، ففينا من سيفهم ان شخصيات الرسوم تبشر اطفالنا لاديان أخرى، فنبدأ حربا مقدسة كرتونية جديدة. لكن المطوع أخطأ، فسيرة البطولة أقدم و اوسع من الكتب المقدسة، فكل شعب نسج بطله، و إذا بهم يرسمون بطلا واحدا بالف اسم.

19يونيو

حوار إعجازي

Rakan: What we see today in our solar system is nothing more than the result of a collapsing cloud of dust and gas .. order from chaos!

ع: لِمَ يُذكرني هذا بقوله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”؟

علي: قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ. هل يعني ان الارض كانت موجودة في تلك اللحظة من الكون؟

ع: هذا من باب قوله للشيء كن فيكون. أي شيء تريد أن توجده أنت كشخص يكون لديك كفكرة في نفسك ثم توجده في العالم الحقيقي.

علي: اي ان الدخان حقيقة والأرض فكرة. على اي اساس اخترتَ كلمة معينة في النص واعتبرتها فكرة او مجازا؟ هل لأنك بعد ١٤٠٠ اقتنعتَ بفكرة معينة واحتجتَ ان تؤل النص لتحميه منها؟ لماذا لا يكون الدخان مجازا والأرض حقيقة؟ وما رأيك ان نعتبر كل شئ مجاز ونريح انفسنا وكل الأجيال القادمة من لعنة العلم؟

ع: لا ليست مجازًا، إذا كنت تتكلم عن خالق كل شيء :) فهمها من تكملة الآيات بعدها “فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ…”، يعني أن إيجاد السموات والأرض كان بعد ما حصل في الآية السابقة.

علي: اظن ان هناك لغتين (او لسانين) للقرآن اليوم: لغة الفقهاء ولغة اصحاب الاعجاز (او الخيال) العلمي. يحاول الفقيه فهم كلام الله بفهم كلام البدوي في الصحراء، ويخضع النص لسيبويه (النحو) والخليل (القاموس)، ولا مكان هنا لـ “ادنى الارض” بمعنى “اهبطها” او “دحى” بمعنى “كوّر”. هذا كله عبث.
‎أما لغة الاعجازيين فتهمل ذلك الانضباط لانه يعيق تحركهم، وتفضل لغة مائعة يذوب فيها الزمان والمكان وقواعد اللغة والمعجم لصالح الاستعراض الذي يريده لاعب السيرك. وفي حين يُخضِع الفقيه لغة الخالق لشعر البدوي، يفضل الاعجازي اخراج صاحب النص (والنص) من المكان والزمان ويجرده من كل قوانين وقيود الكون، ليعطيه صلاحيات مطلقة تنتقل لمفسر النص نفسه. الفقيه يقيد صلاحياته بتقييد لغة النص بلغة البدوي، والاعجازي يحرر نفسه (لدرجة الاباحية الفكرية) بتحرير صاحب النص.
‎اسمح لي ان اطبق لغة الفقهاء الاكثر مسئولية على ذلك المقطع القرآني، وسارتب احداث الخلق من الاية التاسعة:
‎٩) خلَق الارض في يومين.
‎١٠) جعَل فيها رواسي وقدّر اقواتها في اربعة ايام.
‎١١) ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها.
‎ترتيب الاحداث يقول ان الله خلق الارض والجبال اولا، (ثم) استوى إلى السماء وكانت دخان. وهذا يناسب فهم ان الارض كانت موجودة (وليست مشروعا مستقبليا) اثناء مخاطبتها في الاية ١١.

ع: لست ممن يتبَّع بعض “خيالات” الإعجاز العلمي، لكن عندما يكون الأمر واضحًا ومنطبقًا مع ما اكتُشف عندها أصدق به. وارتباط الدخان بمرحلة الخلق ينطبق مع ارتباط الغبار الكوني بنشوء الأجرام السماوية.
‎بالنسبة للآيات التي تسبق الآية المذكورة فاعذرني فربما خانتني الذاكرة في ردودي السابقة، لكن التفسير ما زال قائمًا حتى مع وجود الترتيب المذكور. خلَق الله الأرض، ثم جعل فيها رواسي وقدَّر أقواتها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان (أي أنها كانت واستمرت على كونها دخان). وربما أرجِع هنا إلى تفسير قديم هو تفسير الطبري (والذي يعد من أقدم التفاسير الموجودة). يقول في تفسيره لهذه الآية:

وقوله: “فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” يقول جلّ ثناؤه: فقال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما، أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات، وتشقَّقِي عن الأنهار

‎فالتفسير يؤيد نشوء الشمس والقمر والنجوم عندما كانت السماء دخانا.

علي: دعني استرسل اكثر يا سيدي ع،
‎وجود الارض حين كانت السماء دخانا يتعارض مع معارفنا الحالية، فهو يعني ان الارض هي اقدم اجرام الكون. وانا لا اجد دافعا (سوى التعاطف) لفهم مختلف للنص، فالنص يرتب احداث الخلق بوضوح.
‎تسلسل الاحداث (وتلاعب الاعجازيين به) ليس هو السؤال الوحيد، فتفسير السماء بالكون والدخان بالغبار الكوني هي حيل اخرى تستحق حديثا اطول.

ع: ترتيب أحداث الخلق فيه اختلاف بين المفسرين أنفسهم، حتى أن الرازي في تفسيره يؤكد وجود الخلاف:

قوله “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ” مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى: “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” [النازعات:30] مُشعِر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء في هذه المسألة.

‎فالمسألة فيها اختلاف قبل حدوث الاكتشاف العلمي أصلاً. وفي الآيات المذكور فيها الدخان ليس هناك إشارة إذا ما كان الدخان قد انتهى بعد أمر الله للسموات والأرض أن تأتيا طوعًا أو كرهًا. وقد يفهم من الآيات أن الله خلق جزءًا من السماء قبل خلق الأرض ثم عندما خلق الأرض قال لها وللسماء “اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً”.
‎أما عن كون الدخان هو الغبار الكوني فلعلك تنظر إلى صور مثل هذه وتحكم بنفسك:

‎هذه تسمى أعمدة الخلق (Pillars of Creation) على فكرة :)
‎من وجهة نظري الشخصية (وربما يتفق معي البعض فيها) أن تفسير الآيات التي تحتمل لغويًّا أن تُفسر بطريقة أخرى (ليس عن طريق التلاعب بالتأويل بل عن طريق البحث اللغوي المتضمن لما يحتمل وما لا يحتمل التأويل) ويُكتشف فيها اكتشاف علمي دقيق ومؤكد قد يغير (أو يحسم الخلاف) من فهمنا لبعض الآيات القرآنية المتعلقة بالمظاهر الحسية. إذ فهم الناس في عصر ما يتأثر بما توفر عندهم من أنواع المعارف.

علي: سمعت انك لا تمل من الجدال، لكني لم اتوقع ان حالتك اصعب مني!
‎ليس هناك ما لا يختلف فيه المفسرون، وقصة الخلق ترد في القرآن بصيغ مختلفة لا يخدمها تهافت التفسير. وعلى عكس البعض، لا اعتبر هذا مجالا للتعددية الخلاقة، بل هو مصدر لمتاعب مزمنة، لكن الانحراف لمسألة التفسير لا يتحمله ضيق صدر مجلسنا.
‎ان توظيف الاديان للعلم (كشاهد شاف كل حاجة) هو موطن آخر للتساؤلات. فهل يحتاج الثابت شهادة المتغير؟ أم هو من باب ليطمئن قلبي؟ وما قيمة شهادة اي متغير؟
‎ان الصيغ التي تمارسها الاديان للتضامن مع العلم تسيء للطرفين، فالعلم المتعاطف مع الاديان ليس علما بل نكتار علم (١٠٪ علم)، لان الاديان تختار متى يتحدث أو يصمت العلم، و تزخرف نسخا (منقصة ومنقحة) من العلم.
‎وتلك الصِيغ تضر الدين، لانها تنقل النص المقدس من المتن الى الهامش، وتنقل العلم من الهامش للمتن، اذ يصبح المقدَّس شاهدا على متن العلم. ان النصوص المقدسة اليوم تسير مع العلم حيثما سار، وتتلون معه، وميوعة التفسير هي سند عظيم لهذا التلون.

ع: ربما لتكويني الأشعري أثر على حبي للجدال :)
‎هناك ما هو معلوم من الدين بالضرورة كأركان الدين والأحكام الأساسية، وهناك ما يظهر الاختلاف فيه. منذ القدم كان علماء التفسير يجمعون بين حقائق الطبيعة وصيغ الآيات القرآنية، ربما لأن إيمانهم كان أقوى بأن منزل القرآن هو خالق الطبيعة، وهو ما يجعل التعارض مستحيلاً.
‎لست ممن يحاول أن يوفق بين الدين والعلم الطبيعي قسرًا، ولكن في بعض الأحيان تتضح معاني آيات تتناغم بشكل يستحيل أن أعتبره مصادفة.
‎شخصيًّا، أنا مع فصل الأبحاث العلمية عن تأثير معلومات الخلفيات الدينية، وهذا ما يتطلب أن نبحث في حقائق الخلق حياديًّا. لكني في نفس الوقت لا أقف ضد من يجد رابطًا بين مكتشف علمي ومقدس نصي.
‎ولا يضر الدين ظهور مكتَشف علمي قد يتعارض ظاهرًا مع نصه، فالنصوص المقدسة تخضع للغتها، وهناك مجال للنقاش داخل هذه اللغة، وطالما كان التأويل جائزًا لغويًّا، فالنتيجة ليست تمييعًا بقدر ما هي جمع بين واقعين، إلا عند من كان لديه شك أو اعتبر الدين منتجًا إنسانيًّا بحتًا، عندها ينتقل النقاش إلى مرحلة الجذور.

14يونيو

ليست مجرد مدونة!

أخيرا، جمعت كل كسلي وبدأت التدوين! نقلت مقالاتي القديمة (قدم الدهر) من دروب لاختبر بها عمل المدونة ولتكون المدونة ارشيفا كاملا لكتاباتي.

اظن ان المدونة ستتلون مواضيعها بتلون (وتقلب) اهتمامات صاحبها، وسيرضي ذلك نهم بعض المتابعين ويتعب اخرين. ترغب المدونة أن تنقل تداعيا (شبه) حر لافكار صاحبها، وتأمل اضافة مدونة سعودية جادة أخرى.

مازلت أطمح في مشاريع الكترونية تكون المدونة أولها، وقد تصبح اصغرها. هدف تلك المشاريع هو اضافة مادة الكترونية جادة للسعوديين (خصوصا) والعرب.

اخترت تصميما بسيطا للمدونة، ربما لاني اعشق هذه الشخصية وفكرة التركيز على “القارىء” وليس “الزائر”، لكني ارى تصميما مختلفا اذا تحققت مشاريع اخرى. لاني عربت التصميم بنفسي بجهد سريع، أرجو ارشادي للاخطاء الباقية.

تقبلوا كل الود..

16يونيو

الطائفية على مذهب أرسطو

مغالطات منطق ارسطو تبدأ بتعريفه، فهو لا “يعصم العقل من الخطأ في الفِكر”. ابتكره وثنيون، و وظفه اليهود و المسيحيون و المسلمون فوافق تناقضاتهم. إنه مومس نامت مع الجميع و شهدت للجميع.

أليس غريبا أن تجد كلُّ العقائد المتناقضة (الدينية و السياسية) في معرفة الانسان أدلةً على صحتها و خطأ كل الآخرين؟ هل تحولت المعرفة الى مرآةِ تخبر كل شخص أنه أجمل البشر؟ ما أهمية شهادةِ لا تفرض رأيا واحدا على الجميع كما يفعل مقياس الحرارة و جدول الضرب؟ المعرفة التي لا تصرخ برأيها على الجميع لا تصلح قائدا او شاهدا.

الإستخدام الشعبي للمعرفة هو ترميم عقلنا القديم بأدلة متمدنة. العقل المفطور على العنصرية، مثلا، يجد في كل معرفة يكتسبها (من الشعوذة إلى الدين و العلم) عونا له، و كذلك العقل المفطور على الاستضعاف أو الابداع أو العنف أو الكرم، فالمعرفة (في استخدامها الشائع) لا تغيّر قناعاتنا بل تؤدلِجُها، اي تحولها لقيم ننذر حياتنا و موتنا لها.

كره الآخرين يُزرع في عقولنا الطرية قبل أن ينضج جهازها المناعي، فكل فرقة ناجية تقنع أبنائها أنها الحق بإثبات أن كل الآخرين على خطأ، ثم تعزلهم عن الآخرين كإجراء وقائي إضافي. نكبر و تكثر معرفتنا، فنستخدمها للدفاع عن القيم التي زُرعت فينا في أشد لحظات ضعفنا (بل غيابنا)، عندما كنا أطفالا.

التاريخ هو جلدنا الملتهب الذي لا نستطيع لمسه حتى لعلاجه. لكنه لا يقل او يزيد شأنا عن مرمى نفايات سكان نيويورك، فهو خليط من التيجان و الجثث و اناشيد الاطفال و الصديد و التعاويذ و كل ما يطمع فيه لصوص الاثار و شحاذي المزابل. إليه يرجع الجميع (المنتصر و المهزوم و الجائع و الجشع و المجتهد و البليد ..) فيجدوا اسباب التأييد و الرضى، فهو لا يعيد ذا حاجة خائبا. الكل يبحث عن قِطَع مرآته القديمة في ذلك الركام، و الشظايا الصحيحة هي التي تصنع مرآة تُرينا وجهاً يشبهنا، فالتاريخ يحمل وجوها بعدد وجوهنا و رغبات هي كل رغباتنا.

الشرق الاوسط هو شريك مؤسِّس لتعددية الانسان، و صعدت تعدديته مع حضارته، و هي تنكمش بقسوة تَراجُعِ حضارته. لا يستطيع مجتمع حَضَريٌ منتجٌ الا أن يكون تعدديا، فإذا ادرنا عجلة الانتاج فسيعمل الناس في كل شيء، بلا حدود، و كثير من محفزات الابداع الانساني تدفع للمحمود و الممنوع معا، فالابداع و البدعة يولدان و يموتان سويا. الشرق الاوسط يحتاج صمود كل الاقليات لكبح جماح كل الأغلبيات، فوحشة الرأي هي وحشة الانسان.

أغلب التيارات الدينية المعاصرة تشتغل في السياسة لا العلم، فهي (كأغلب الساسة) تحتاج عدوا يغذي برنامج المواجهة الدائمة (أو الولاء و البراء). وهي (كأغلب الساسة أيضا) تستخدم قِيم عدوها للحكم على قِيمها (enemy-centric)، فرغم انها بدأت كمدارس فكرية حرة الا انها تعلمت آليات البقاء السياسية بعد أن جعلت من آرائها هوية سياسية لا تتحمل المساومة، وصارت ترجّح حساب الارباح و الخسائر على الرآي الحر. الكثير من الفقهاء اليوم هم أساسا سياسيون، فحركتهم تحكمها تفاصيل معركة مفترضة.

12أبريل

السيد منير و فيس بوك (٢\٢)

ما يرفض ظهور رجال الدين في فيس بوك ليس الدين بل التدين المحافظ، فالتدين الشائع يمجد القيم المحافِظة، و هو بذلك يحرِّم ظهور رجال الدين في فيس بوك إذا أُعتبر ذلك تحررا، فنحن إذاً أمام مواجهة جديدة بين القديم و الحديث بإسم الدين. المحافَظة تقول أن “الخير في القديم” و التحرر يقول “الخير في الجديد”، و لأسباب معينة تحالَف التدين الشائع مع المحافَظة و صارت تعبر عن رؤيته الدينية، و صرنا نرى (بنظاراتنا المحافظة) في الدين تمجيداً للاقدم و نبذاً للأحدث (الفرد و السلوك و الفكرة و الُمنتَج)، ليتفق ذلك مع قراءة عقائدية سائدة للتاريخ تدّعي أن أخلاقيات البشر في هبوط مستمر (و الحال عكس ذلك). إن إختيار التدين الشائع للمحافظة شريكاً يستحق الدراسة، فهل التديُّن يجعل الانسان محافظا؟ أم أن المجتمع المحافظ يُفرز تديناً محافظا؟ أم لا علاقة سببية بينهما؟

يريد المحافظ الثبات و اليقين في عالَم الحركة و الشك، فيجد يقينه في القديم بينما يَسعَدُ المتحرر بالجديد، لكن تناقضهما العنيف يخفي بلادة جوهرية مشتركة، فهما يتجنبان التفكير بتفويض “الزمن” للحكم على الأشياء. و بينما يقبل المتحرر الجديدَ وان لم يكن سائدا، يفضِّل المحافظُ القديمَ الشائعَ على القديمِ المندثر، فالمحافظ إذن يضيف شرطا على الزمن هو “الشيوع”، و القديم الشائع هو “العرف”. لكن العرف (كاللباس و الطعام) هو ما قبِله المجتمع من خيارات قيّدتها حالتُه البيئية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و التقنية و غيرها، و المجتمع إختار ما يرضيه مما اتاحته تلك القيود، فالعرف محروم من الكمال لأن المجتمع لم يكن حرا أو كاملا عندما اختاره، بل العرف هو ترجيحات واقعية/نفعية/برغماتية لاءمت قيود المجتمع آنذاك، ولو اختلفت تلك القيود لنتج عرفٌ مختلف. المحافظة و التدين الشائع يتفقان آيضا على تفضيل العرف، و من الطريف أن يحاربا البرغماتيةَ (كموقفٍ من الواقع) و التكيّفَ مع القيود المعاصرة بينما يختاران قراراتٍ برغماتية قديمة، أي أن مشكلتهما ليست مع البرغماتية بل مع برغماتية هذا الجيل المدنَّس مقارنة بأجيال قديمة مقدَّسة، و ذلك يجعلهما برغماتيان أيضا ولكن برغماتيان متخلفان.

يقبل التديّنُ الشائعُ العُرفَ مع سيرة العقلاء و المتشرعة، لكنه يرفض الديمقراطية التي تعطي نفس القيمة التشريعية لارادة الناس، لأن الديمقراطيةَ ارادةُ الاحياء المدنَّسين والعرف إرادة الاموات المقدَّسين، و بهذا يتواطىء التديُّن الشائع مع المحافظة لابطاء حركة المجتمع بربط أقدام كل جيل بأقدام سابقه.

الانسان في تطور أخلاقي، بعكس الادعاء العقائدي السائد. و سبب هذا التقدم هو تحسن مستمر في ظروفه البيئية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و غيرها، مما يخلق خيارات تقدمية جديدة. ان تخلف برغماتية المحافظين يؤجل الاستفادة من خيارات أفضل لحين تجعلها حركةُ البشر الطبيعية عُرفاً، فالمحافظُ يتبنّى عُرفا هو تحرّرٌ قديم رَفَضَه جَده المحافظ و يرفض تحررا جديدا سيصبح عرفَ حفيدِه المحافظ، فالتغيير كفر حتى يقبله الزمن، ثم يصبح ايمانا و غيره كفر. لكن الفجوة بين المتحرر و المحافظ لا تتجاوز الجيلين عادة، فالمحافظ يعرف أنه لو طبق القِيَم الخِطابية المجردة (الصالحة لكل زمان و مكان) أو تقمص المظهر و السلوك الكاملين لقدوة تاريخية لأصبح قطعة نادرة في متحف التاريخ الطبيعي، و لذا يرضى بتحرُّر جيل جده أو ابيه، أي أنه يفضل تحرر جيلٍ سابقٍ مُقدّس (تحرر أيام زمان) على تحرر الجيل المعاصر المدنَّس، فالمحافظ متحرر أيضا لكنه متحرر متخلف.

تأخَر دخول رجال الدين للانترنت حتى تأسست مواقع معقَّمة، ثم تأجَّل توظيفهم للفضائيات حتى جاءت قنوات لا يشاهدها الا المطهَّرون، و سيتكرر ذلك مع فيس بوك، فبدل ان يصبح الدين سلوك البقّال و الخياط و الطبيب صار دكانا منفصلا و اصبح التدينُ حياةً خارج الحياة. مؤسس صفحة السيد منير في فيس بوك هو متدين يعشق السيد، و قد حاول حمل القيم و الشخصيات التي يوقرها معه، لكن السيد لا يود أن يذهب حيث اتجه كثير من محبيه و ١٧٥ مليون شخصا، فأغلب رجال الدين يفضلون البقاء وحدهم على الانتقال لمنبر لم يقبله العُرف بعد. لكن جيل واضع الصفحة يؤسس عرفا يقبل فيس بوك، و سيلد ذلك الجيل رجال دين محافظين لا يستعيبون ما حرّمه آبائهم. لو اختار السيد المِهَنيّة لذهب حيث جمهوره، بل لتَركَ منابر “هداية المهتدين” لعدم جدواها المهنية واتجه حيث تحضر الفرصة وان غاب العُرف، اذ لا يخلو فيس بوك من حُجّة!

3أبريل

السيد منير و فيس بوك (١\٢)

السيد منير الخباز رجل دين و خطيب شيعي مهم في شرق السعودية. حرَّم السيد وضع صُوَره في فَيْسْ بُوكْ، بعد أن أقام أحد محبِّيه صفحةً له أسوةً بالكثير من المشاهير الذين يكرمهم أعضاء فيس بوك. و يرى السيد أن من المستهجَن لدى المتدينيين الملتزمين أن يضعوا صورهم هناك، ففيس بوك لا يليق به ولا بأمثاله، و طلب إبلاغ واضع الصفحة أن السيد يحرم ذلك ولا يرضى به أبداً.

موقف السيد منير يعتمد على فهم خاطىء لفيس بوك، ففيس بوك ليس موقعا للصور الاعلانية، بل نموذج لتيارٍ طاغٍ إسمه “التواصل الإجتماعي”. لقد وعى التِقنيُّون أهمية ذلك التيار، فطعَّموا منتجاتهم بقدراته، و لم يفرِّقوا في ذلك بين التقنيات الشعبية (كالهواتف المتنقلة) و ما يعتبر أكثر وقاراً (كأنظمة المؤسسات). وصارت بعض جهات التعليم و التوظيف تستخدم (أو تسيء استخدام) فيس بوك و غيره للتعرف على المتقدمين لها و الحكم عليهم. فقد يُرفض طالب وظيفة لأن جوجل لا يعرفه، فكأن “من لا يُوجَد في جوجل فهو غير موجود”، لأن الوجود هناك يعني الانتاج، و سيكون حال كل ناشط اجتماعي كذلك مع فيس بوك. رجل الدين الداعية هو من كائنات جوجل (لانه منتِج) و فيس بوك (لانه ناشط اجتماعي).

يَفترض موقف السيد منير أن في فيس بوك ما يلوِّث نقاء رجال الدين. ان الإلحاح في إجتناب الملوِّثات وضَع رجال الدين في حَجْرٍ صِحِّي، فهم لا يحضرون الا أماكن معقمة، و هذا لا يتفق مع الدعوة. مهنة الداعية (كالطبيب) تحتاج معاشرة المرضى أكثر من الاصحاء، فالاطباء يقيمون بمواطِن المرض لا أماكن الصحة. الداعية النقي هو طبيب لم تصبه عدوى لأنه لم يلتق مريضاً، و لم تفشل له عملية جراحية لأنه لم يُجرِ أي عملية. لأن كل من عملَ أخطأ، قرر هذا الطبيب تجنب الاخطاء بتجنب العمل.

أخطرُ الجراثيم تعيش في المستشفيات، فقد إعتادت أقسى إجراءات التعقيم. و أشد الآفات الأخلاقية تسكن المساجد، لأنها تكيّفت مع أصلب الفتاوى. وعلمتنا الأزمة الاقتصادية الأميركية أن أشد مخاطر المال هي بين سادة المخاطرة المالية في العالم (أو هكذا حسِبناهم). إن ظن السيد منير أنه يَفِرُّ بدينِه من فيس بوك للمسجد فهو مخطىء، كما يخطىء الطبيب الذي يهرب من جراثيم الشارع لجراثيم المستشفى. فيس بوك و المسجد و المستشفى و سوق المال هي بطهارة الانسان و نجاسته، هي الانسان، هي نحن.

لا يستطيع أحد الجمع بين الانتاج العالي و الطهارة العالية، و على رجل الدين أن يختار بين المِهَنِيّة و التنسك. المِهَنيّ (كالداعية أو المعلم أو المهندس) فرد منتج إجتماعيا، و هو بذلك عرضة للخطأ، و خطأه ليس نتيجة أخلاقية بل إحصائية، فمن يعمل أكثر يخطىء أكثر، و زيادة الأخطاء سعرٌ محمودٌ لزيادة العمل. أما الناسك فهو فرد غير منتج إجتماعيا، و هو نموذج انساني لا يستحق الثناء أو الاعانة. أحد مشاكل تراثنا (و تراث غيرنا) أنه أكرم النُسّاكَ ببذخ، بل فضلهم على المهَنيين، و ترويج هذا الفكر رغّب مهنيينا للجمع بين نقيضين: المهني و الناسك. ولأن التُراثِيّين يقودون مجتمعنا، تقلصت المهنية لأدنى ضروراتنا الحياتية، و تقلصت معها فترة الانتاج في حياة الفرد، و هذا يفسر قلة انتاج مجتمعات “النُسّاك الطاهرين” مقارنة بمجتمعات “المهنيين الخطّائين”.

30يوليو

تاروت و مصر القديمة

تقديم

يحتمل مايكل رايس اتصال مصر القديمة بجزيرة تاروت في شرق السعودية، فدراسته لاثار المنطقتين اعطته قرائن على صلات بينهما تعود للالف الثالث قبل الميلاد.

هدف المقال هو التعريف المبسط بكتاب رايس (و الافكار ذات العلاقة) كبحث متصل بتاروت، فقد يفيد الكتاب متتبعي تاريخ تاروت، وان احتاجوا التدقيق في ملاحظات رايس التي يقدمها هو نفسه بتحفظ شديد.

اقتبستُ وترجمت بتصرف المواد ذات الصلة بتاروت في كتاب مايكل رايس “صُنع مِصر. أصول مصر القديمة 5000 – 2000 ق م”، وأضفت توضيحات بين أقواس مربعة و هوامش إيضاحية من مصادر أخرى.

اقتباسات

يرى رايس في عاجِيّات هيراكونبوليس اوضح الادلة على انتقال تقنيات فنية عِيلامية لمصر، فأحد النُحوت يصور ريش عدة طيور بشكل مطابق لصورة إمدُكُد من تاروت. الريش في النقشين مطابق لدرجة يستحيل فيها الاعتقاد ان التقليد او الصدفة تركا ذلك الاثر على عاجيّات هيراكونبوليس. الأقرب ان النقش المصري صنعه حِرْفي شرقي [من غرب آسيا]، أو مصري تدرب عند حِرْفِيّين مُلمّين بالتقنيات العيلامية، أو (على الاقل) مصري اطّلع على تلك التقنيات. ان اوجه التماثل مدهشة بين عاجيات هيراكونبوليس ومنحوتات تاروت. [رايس:82]

إن كل المواقع المصرية الكبرى في فترة ماقبل الأسرات تركت مصنوعات من اللازورد. إحدى أهم القطع (وهي من هيراكونبوليس) تُمثل امرأة عارية تضم يديها امامها في وضع سائد في مابين النهرين أكثر من مصر. يُقترح افتراض ان القطعة صُنعت في الخليج العربي. قد لا نجد شبيها للتمثال عند فنان مصري، الا ان التشابه عظيم بينه و مجسم من تاروت يُنسب للالف الثالث قبل الميلاد. يجسد تمثال تاروت عجوزا يلتحف عباءة، وتفوق مهارة صنعه مجسم هيراكونبوليس، لكن الشك ضئيل في ترابطهما. يتشابه الاثنان في التعامل مع تجاويف سميكة وعميقة للأعيُن، ويشتركان في الجو الانفعالي. من الصعب انكار أن التمثالين جاءا من تراث واحد او من تراثين متقاربين جدا. [رايس:92]

تمثال هيراكونبوليس. (المصدر: المتحف الاشمولي باكسفورد، بريطانيا.)
تمثال تاروت. (المصدر: المتحف الوطني السعودي)

رغم أن احتمال غزو من آسيا الغربية لمصر في ماقبل الأسرات مستبعد عادة، الا ان علينا ملاحظة أن رأس صولجان حكام مصر في نقادة الأول  كان اسطوانيا، ثم تغير فجأة لشكل الأجاص لدى حكام هيراكونبوليس في ماقبل الأسرات المتأخر، واستمر شكله كذلك. ووُجد رأس صولجان بشكل أجاص في تاروت، ونُسب لبداية الألف الثالث قبل الميلاد. [رايس:102]

رأس صولجان اسطواني من نقادة الأول. (المصدر: مايكل رايس.)
رأس صولجان بشكل أجاص من ماقبل الأسرات المتأخرة. (المصدر: مايكل رايس.)
رأس صولجان بشكل أجاص من تاروت. (المصدر: المتحف الوطني بالرياض، السعودية.)

أقدم اشارة كتابية لديلمون تعود لـ 3000 ق م، في الواح مدينة الوركاء [في مابين النهرين]، وهذه الالواح هي أقدم كتابات في العالم. تسرد الالواح اسماء دول (منها ديلمون) مرتبة حسب بعدها عن الوركاء. والاقرب ان ديلمون في ذلك الوقت كان شرق الجزيرة العربية [وليس جزيرة البحرين] الذي عادة ما أعتُبر جزءا من ديلمون في فترة لاحقة، اذ لا توجد آثار صريحة لاستيطان في البحرين في زمن تلك الالواح (من الالف الرابع أو بداية الالف الثالث)، بينما وُجدت مواد من بداية الألف الثالث وبكميات كبيرة في شرق الجزيرة العربية.

يبدو أن هناك استيطان مبكر هام في بقيق وتاروت في شرق الجزيرة العربية، واستيطان الجزر هو من ابرز خصائص بداية السكن في الخليج العربي. لم تستكشف تاروت بكثافة حتى الان، لكن التنقيبات الدنماركية (التي بدأت في خمسينات و ستينات القرن الماضي) قدمت أدلة قوية على استيطان مبكر من الطبقات العليا لتاروت، مما يعني تاريخ استيطان قديم. [رايس:237]

خاتمة

ما كُتب عن تاروت (مع أهميته) هو تاريخ الهامش، فتاريخها قبل الميلاد هو (في معظمه) شهادة حجارة الحضارات الأخرى، وتاريخها حتى العباسيين هو شهادة سجلات الخراج والخوارج. وفي الحالين، هو موقف الآخر أو المركز من الهامش، أكان الأخر هو البحرين أو مابين النهرين في ما قبل الميلاد، أو كان المركز هو بغداد ودمشق والقاهرة في ما بعد الهجرة. وتظل شهادة تاروت نفسها غائبة، حتى نستنطقها كما فعلنا مع شركائها الحضاريين.

إن رجحت  احتمالات رايس عن أصول القطع الأثرية المصرية أو تقنيتها، فيجب التأكد من أن مصدرها تاروت و ليس حضارة أخرى اتفقت معها في التقنيات. ولترجيح تلك الآراء تبعات كثيرة، فهو يعيد تقديرنا لقدرات تاروت القديمة في الصناعة والتجارة والمِلاحة. وبروز تاروت في هذه المجالات (إن رجحه الدليل)  يثير أسئلة أخرى عن التقنيات والفنون والقوانين (مثلا) التي جعلت ذلك الانجاز ممكنا. وفي كل الحالات، نحتاج جهدا مضاعفا من باحثين ماهرين لنتعدى محطة “ساحل الذهب الاسود”، ونؤسس تأريخا يتجاوز  “ديلمون” و”عشتار” و”يمرون بالدهنا..”

هوامش

مايكل رايس (Michael Rice): دبلوماسي بريطاني وباحث في آثار الخليج و مصر. له مؤلفات كثيرة في سياسة الشرق الأوسط و التاريخ القديم للخليج ومصر، تُرجم بعضها للعربية. تأثرت اعماله بمنهج كارل جونك في التحليل النفسي. أسس في 1969 شركة Michael Rice and Company للعلاقات العامة والمتاحف، وخططت الشركة متاحف في عدة دول محلية (كالبحرين والسعودية وقطر). منحته البحرين وسام الدولة من الدرجة الاولى عام 2003، و هو يرأس جمعية الصداقة البحرينية البريطانية منذ 1999.

مايكل رايس

تاروت (Tarut): جزيرة سعودية بالخليج (انظر الخارطة). هي من اوائل حواضر شرق الجزيرة العربية، اذ تعود للالف الثالث قبل الميلاد. كانت مركزا رئيسا في حضارات المنطقة القديمة، كالعراق (مابين النهرين) وايران (عيلام) وشرق العربية (البحرين). برزت تاروت في الصناعة والمِلاحة، وتمتع ميناؤها بشبكة تجارية واسعة.

مصر القديمة (Ancient Egypt): بدأ الاستقرار البشري في مصر نحو 5000 سنة قبل الميلاد. آنذاك، كانت مُدن مابين النهرين (بين دجلة والفرات في العراق) قد أسست حضارة الإنسان الأولى، وكانت البشرية تخلو من التمدن إلا في حواضر مابين النهرين ومصر. وتعرفت مصر على حضارة مابين النهرين (بامتدادها في الخليج) وباقي حضارات غرب آسيا (كعيِلام في إيران وديلمون في الخليج العربي) وتبادلت التجارة والثقافة معها.

و تاريخ مصر القديمة هو من فترتين رئيستين: مصر ما قبل الفراعنة أو فترة ما قبل الأسرات الفرعونية، و فترة الأسرات (Dynastic) التي توحدت فيها مصر تحت حكم أسر من الملوك أو الفراعنة. و تنقسم كل فترة من هاتين لفترات اصغر.

ماقبل الأسرات (Predynastic): الفترة (5500 – 3100 ق م) التي سبقت قيام مصر الفرعونية. كانت مصر مجزئة لمصر العليا (جنوب مصر) و مصر الدنيا (شمالها)، قبل ان توحدها أسرات الفراعنة. و تنقسم فترة ماقبل الأسرات لثلاث فترات: نََقادة الأولى (4400 – 3500 ق م) و الثانية (3500 – 3200 ق م) و الثالثة (3200 – 3000 ق م).

في القرن التاسع عشر، ساد رأي بأن مصر الفرعونية أسسها محتلون من غرب آسيا، أي أن عِرق الحكام الفراعنة ليس مصريا. إن المعلومات الأثرية الحالية ترفض نظرية العِرق الحاكم، و لا يتبناها اغلب الباحثين المعاصرين، و منهم رايس.

هيراكونبوليس (Hierakonpolis): مدينة من أوائل حواضر مصر القديمة وأهمها، اذ تعود لـ 4000 ق م. كانت عاصمة مصر العليا (جنوب مصر)، و موقعها بين الاقصر و اسوان في مصر المعاصرة (انظر الخارطة).

عيلام (Elam): حضارة نشأت في جنوب غرب ايران، و هي من اقدم الحضارات البشرية (2700 – 539 ق م)، و تعتبر بداية التاريخ الايراني.


Map showing the area of the Elamite Empire (in red) and the neighboring areas. The approximate Bronze Age extension of the Persian Gulf is shown.
إمدُكُد (Imdugud): كائن خرافي بجسد نسر و رأس أسد، آمن السومريون (في مابين النهرين) أنه طاثر رياح الجنوب الالهي، الذي يصنع العواصف بجناحيه وزئيره.

امدكد

9أبريل

الاستنساخ المقدس، معه و بعده

مجتمعاتنا المحافظة هي آلات استنساخ، تنتج أفرادا حسب القالب المقدس الأول. و كل فرد يشذ عن ذلك القالب يعامل كقطعة معطوبة في خط انتاج، و يُتلَف حسب طقوس عبادية صارمة تشبه كوميدياها المقدسة مشاهد تطهير آثار الأطفال في “شركة المرعبين المحدودة”. هنا فقط، كل مختلِفٍ يصير مخالِفا (بالأذن من أدونيس).

الجنس حافز فردي لهدف جماعي هو البقاء، و هو في آليته يشبه الحوافز الإدارية التي تربط أهداف الأفراد بأهداف الجماعة. فرغبة الفرد الجنسية لا تسعى لبقاء النوع، بل لبقاء الفرد نفسه، لكن ذلك الهدف الفردي الأناني يحقق الهدف الجماعي. الجنس هو حيلة الفرد لتمتد حياته في جسد آخر، هو عملية استنساخ للجسد، و في المجتمعات المحافظة يكون استنساخا للثقافة أيضا، أي أن الجنس هنا هو حفظ لـ “بيولوجيا” و “ايدولوجيا” الجماعة. لا يجوز لبيولوجيا المجتمع المحافظ أن تتلوث ببيولوجيا الآخر، و لا أن تتلوث ثقافته بثقافة الآخر، فالاستنساخ الجماعي يجب أن يتم تحت أشد شروط التعقيم صرامةً.

يميز المجتمعات المحافظة جهازُ مناعةٍ قوي يحطم كل خلية مختلفة في جسد المجتمع، و لأن الجسد (و خلاياه) يعيش أسباب تغيير ضخمة، فإن جهاز المناعة سيحطم جسده إن لم يكبح الجسدُ مناعتَه. موجة العنف الأخيرة هي من أعراض تغلب المناعة، أي أن الجسد – المجتمع حاول تحطيم نفسه بِنِيّة حماية نفسه.

المؤسسة الدينية هي جهاز مناعي في المجتمع، و إذا أردنا تغيير جسد فيجب ألا نوكل المهمة لجهازه المناعي. و المؤسسة الدينية هي ضابط الإستنساخ، لذلك تقبض بشدة على أهم أدواته: المرأة و التعليم و الإعلام. إذا تحررت هذه المؤسسات من احتكار أي جهة، فإن مجتمعنا سيغادر مرحلة استنساخ لم تنقطع منذ عُرفنا عَرَبَاً.

الإرادة السياسية الحالية تدفع لذلك بتأن و إصرار، و ستكون مرحلة “ما بعد الإستنساخ” قاسية علينا، إذ ستتكاثر الأشياء التي لا تشبهنا، و هذا تنكره القيم التي صنعناها في زمن الاستنساخ، و سنحتاج مرجعية ثقافية “ما بعد استنساخية” تقبل الاختلاف و تحميه.

ليتني أكون المستنسَخ الأخير..

© Copyright 2013, All Rights Reserved