سياسة ومجتمع

16ديسمبر

عن الفقيه والقصر والتمييز

-١-
مصطلح “فَقِيه السلطان” يَغفل ضرورة القصر في تاريخ نشوء وحفظ الابداع، فالفقاهة وباقي مهن الابداع (الآداب والفنون الجميلة، العمارة، المنطق، الفلسفة، ..) لم يقدر او يرغب على تمويلها الا القصر (ومحيطه). ففي تلك الازمنة، لم يوجٓد فائض مال الا في القصر [١]، وكان ممولَ وزبونَ المبدِع. والمبدِعُ يلتزم بشروط الانتاج عند مموله.

ضم َّعلي الوردي النحوَ والمنطق لمنتجات “الطبقة الفراغية” [٢] (عِلية المجتمع)، وأهمل الفقه وهو منهم. نشأ وتطورٓ الفقه بشروط (تعليمية، تقنية، اقتصادية، بيئية، ..) لم توجد الا في دوائر ضيقة ميسورة في المدن القليلة آنذاك، واستمر ضِيق هذه الدوائر حتى ظهور الأشكال المعاصرة للتقنية والاقتصاد والدولة.

“المثقف الشحاذ” هو مصطلح طريف آخر، بصياغته وما تحمل من إستعابة. المبدع المسترزِق القصرٓ ليس نسقاً ثقافيا عربيا (فقط) [٣] ولا معيبا، بل هو عالمي وحٓسٓن بذاته. لطبقات اليُسر القليلة في الاقتصادات القديمة فضلُ تنشأة ورعاية صنوف الإبداع، رغم إساءة هذه النشأة لانتشار المعارف المعاصر. وبعد الانتشار الحديث لفائض المال عند الأفراد، وجد المبدعُ (الفقيه، الأديب، منتج هوليوود، المهندس، ..) قطبٓ مال غير القصر وأضخمٓ منه وقادراً على تمويلِ المبدع واثراءِه، وصار المبدع ينتج للقطب الجديد ايضا وحسب شروطه (الشعبية). اي يمكن الإدعاء ان “شحاذة” المثقف باقية، وتوزعت بين القصر والشارع! إن انتشار فائض المال الفردي اعاد تشكيل المنتجات، ومنها منتٓج الفقيه.

إن النزاع على الفقه اليوم لا ينفصل عن النزاع على الفن وغيرهما، فهذه الآداب نشأت وتشكلت بطباع القصر في اغلب تاريخها، قبل ان يبرزٓ زبون ينازِع لتطويعها نِدّٓاً لما نشأت عليه، ويُلبسها ذوقه ومنافعه. إن الثقافة الشعبية المعاصرة في الفنون والآداب ليست سٓقطة ذوق، بل خروجٌ من زخرف القصر وإعادةٓ تشكّلٍ لقطب الشارع وشروطه، بعد ان برزت للأفراد سلطة اقتصادية ومعرفية على الإبداع. [٤]

ثم ان القلق من تلوث الفكرة (وخاصة الدينية) بالمال ليس اعظم اخطارنا بعد ثورة الصناعة، فقد جعلت الصناعة للتقنية (وهي المحسوس من الحضارة) أثراً كونيا للضر والنفعِ قد يجاوزُ حدود حركة الفكرة (فالتقنية هي الوسط الذي تظهر وتتحرك وتتكاثر فيه الفكرة خارج اذهاننا)، ومع عِظم اثر التقنية تعظُم تبعاتُ انحيازها لمموليها ومخالفتُها لاخلاقياتها. [٥]

– ٢ –
التشريع (منتَج الفقيه) يحتاج مؤسسة سياسية، فالفتوى (في اي دين) هي مثل نظام المرور وتعليمات النوم المبكر في العائلة، اذ تفصِح عن تراتبيةٍ واستحواذٍ على الإكراهِ وشروطِ ضٓمٍّ وطرد (ولاء وبراء)، اي مؤسسة سياسية. [٦] وهذا مما قرّب الفقيه والسلطة.

ونعني بالسلطة كل مركز سيادة في تنظيم المجتمع، في البيت وخارجه، ومنها الأقطاب الناشئة. ومواقف هؤلاء المتنافسة على الإستحواذ على الفقه قد تعود لأحد هذين الهدفين:

أ. الاستحواذ على الحق في الإكراه، وبالهيئة التي يقدمها الفقه. ومن هؤلاء جماعات طائفية قديمة وحديثة ببرامج سياسية.

ب. نزع الإكراه من الفقه، بتبني قراءات مقابِلة. وهؤلاء مدفوعون بمبادىء فردانية حديثة، وبرنامجهم سياسي ايضا، حتى وان نفوا عن نفسهم هذا الطموح، فهم سياسيون بحجم ما يودون تعويضه في مشروع نِدّهم السياسي.

ان النزاع الطاغي على الفقه اليوم هو نزاع على السلطة (ونمطها)، اي ان موضوعه السيادة لا الهداية.

– ٣ –
محظوظ من كان ساكتا او ضعيفا، فالساكتُ ينقد قولٓ المتكلم والضعيفُ ينقد فِعلٓ القوي. لكن الكلام لا يقارن الا بمثله وفي زمنه، وكذلك الفعل. مقارنة متكلمَين او فاعِلٓين هي ما يفرّقهما او يظهرهما توأمان في رحم حضاري واحد.

لكن مقارنناتنا التاريخية اعتادت ملىء فراغ الكلام او الفعل بمثاليات حديثة (أي مقارنة “واقعهم القديم”بـ “نموذجنا النظري الحديث”)، واعتادت نُصرة الغياب على الحضور.

– ٤ –
يغالط من يحتكر المظلومية (ومن ثَمّ قيمتها السياسية) في تاريخنا او تاريخ غيرنا، ففي أزمنة البؤس والتوحش وطبقات القهر تلك، لم ينجو أحد!

ويخطىء من يظن ان الظلم يُصلح المظلومٓ، أو أن مظلوما (ما) كان قادرا (دون غيره) على تعلم العدل، وكأن مفهوم العدل الحديث كان فكرة دانية لكل مظلوم.

ولم ينجو احد آنذاك من تشريع أحكام القهر والعزل والفناء ضد الاخر الفكري او الجسدي. وعادة ما كان نصيبُ الاخر الفكري من خارج الجماعة العزلَ ونصيبُ الاخر الداخلي (اي داخل الدين او الطائفة) الفناء، وكأن اللُّوثة خارج الجسد يكفيها الاعتزال وآفة الجسد دوائها البتر.

فقه الآخر هذا لم تختص به جماعة واحدة من طائفة او دين، كما لم يعطي تطبيقه الا السوء. تجارب تنقية الجماعة هي مثل بتر سالب مغناطيس، إذ يخلفه سالبٌ آخر في جسد اصغر وقطبٓين اضعف.

– ٥ –
يثور الامام ليؤسس دولة ويصير خليفة، ثم يجاهد ليوسّعها ويحميها. ومن انقطع تاريخه عند الإمامة انقطعت أدبياته عند الثورة.

انجحُ مشروعاتنا الإحيائية هو التأصيل الشرعي للإكراه ضد المجتمع والدولة، والأخير تأصيل لتراثين وقطبين: ثورة الإمام وجهاد الخليفة. من الخطأ الدعوة لوقف ترويج ادبيات جهاد الخليفة وحدها، اذ علينا وقف ترويج ادبيات ثورة الإمام ايضا، اذا أردنا مواجهة تأصيل صراع الخليفة ونائب الإمام.

هوامش:
١. من هذا ملاحظات ابن خلدون ومستكشفي آثار الرأسمالية في الاقتصادات القديمة (كماكس فيبر).

٢. هذه ترجمة علي الوردي لمصطلح Leisure Class، وسمات الطبقة (كما اخذها من “نظرية الطبقة الفراغية”) الهمته وصارت ثالثة آثافي آعماله. والركيزتان الآخرتان هما طوبائية العقيدة (من “العقيدة وطوبى”) وثنائية البدو والحضر الخلدونية. في مواطن كثيرة، بقى الوردي موطِّناً ومشيْعاً للاثافي الثلاث.

٣. لا أظن ان نسٓقٓي “المثقف الشحاذ” و”الفحل” من مفرزات الشعر او الثقافة العربيّتين، بل هما صنيعة تنظيم اجتماعي كان واسع الحضور عالميا. وقد أدوّن يوما عن نسٓق الفحل.

٤. من ذلك الأغاني والأطعمة السريعة والتصميم الحديث. منتجات الثقافة الشائعة (pop culture) النابذة لبذخ المنتَج وطقوسه ليست هبوطا في الذوق بل توسيع للتعبير عن هوية طبقة اجتماعية لم تملك سابقا هذا القدر من السلطة على الانتاج. ومن الخطأ تفضيل الفنون والآداب السابقة باعتبارها الإبداع المحض، بينما كان دافعها هاجس طبقي لهوية متعالية.

٥. “إعادة تعريف الحدود” هو من أهم آثار التقنية (خاصة الحديثة)، ومن هذا حدود قدرات ونتائج أخطار أخلاقية (moral hazards) غير مسبوقة تاريخيا في الحرب والسلم (كالسلاح والتلوث والتجسس والإهمال الهندسي الخ). مثلا، الانهيار المالي العالمي في ٢٠٠٨ هو أساسا صنيعة تقنية، فضخامة المؤسسات المالية وترابطها وتعقيد منتجاتها هي نتيجة تقنية.

وإحاطة التشريع بتطور التقنية (للحد من مخاطرها الاخلاقية) تبقى متأخرة، لتفاوت المشرِّع والمشرَّع له هيكليا. تحديات حدود التقنية وتأخر استيعابها تظهر حتى في التشريع الفقهي، ومن الخطأ تقديمها كخصوصية فقهية.

٦. تُرجع الفكرة لماري دوغلاس في “الطهر والخطر”.

5يناير

المجتمع الأبوي ومفاهيم مصاحبة

هذه التدوينة من تشجيع حوار جميل تطرّق للبطريركية (الأبوية patriarchy) كتنظيم اجتماعي، وسأحاول هنا تعريف المصطلحِ وأفكارٍ متصلة به، بإيجاز قد اتوسع فيه مستقبلا.

الأبوية (كترجمة سائدة للبطريركية) هي نوع من تنظيمات المجتمع، يكون فيه الذّكَر السلطة الاساسية، ووصيّا على المرأة. وعادة ما يكون الذكرُ الوصيُ الأبَ او الزوجَ او الأخَ او الإبنَ، فتُلحق المرأةُ اجتماعيا وقانونيا به. وهذا التنظيم يمنع وجود امرأة بلا وصاية، ويعامل ذلك كمُنكر.

لغويا، الكلمة الانجليزية منحوتة من “حكم-الأب”، والأب (هنا) ليس أب عائلة، بل أب عِرق بشري (كإبراهيم لبني اسرائيل في السرد التوراتي) كرمز للحضور الذكري الطاغي في المجتمع، فالمصطلح استسقته الإناسة (anthropology) من التوراة في زمن كانت معارفُ طريّةٌ تهتدي بالتوراة كمؤرخٍ صادق وشاهدٍ وحيد لفترة تاريخية، وبقى المصطلح (وغيره) كوليد علاقة حميمة منتهية بين التوراة والعلوم.

التنظيم الأبوي ينزع من المرأة (كقاصر) حريات تصرف (كالتعليم والزواج والعمل والتنقل والتملّك وإدارة المُلك) ويعطيها للوصي الذكر، ويشرّع امتيازات عديدة للذكر. حدود قصور المرأة وسلطة الوصي اختلفت بين المجتمعات والأزمنة، لكنها تجتمع على منع المرأة من مستوى سلطة الرجل، ممثلة في المعرفة والملكية والمنصب.

الأرجح ان الأبوية كانت تنظيما مشتركا في كل المجتمعات والأزمنة، ويغيب الدليل على مجتمع او مرحلة إنسانية أمويّة (متريركية matriarchy)، بمعنى ان سلطة المرأة (كجنس) علت الذكر (كجنس). هناك مجتمعات أمويّة بمعنى إنتساب الأبناء للأم، لكن تلك الأم كانت تحت وصاية ذكر. وهناك لحظات حكمت فيها نساء، لكن في مجتمعات (وبشروط) ذكورية، كما برز دائماً أفراد من جماعات مقهورة تحت شروط جماعات مستبدة.

ومثل تمسّك نسويّات (كنوال السعداوي) بمرحلة أمويّة رغم إقلاع الإناسة القديم عنها، مازال يُقال ان “المرأة في الديانات الوثنية كانت أفضل من الديانات التوحيدية”، وقد يوظَّف هذا الخطأ لتجميل موضة فكرية صاعدة. يأخذ هذا الرأي بصورة المرأة في أساطير وآلهة مجتمعات قديمة، وقد يضيف شهادة الاعمال الفنية (كالمنحوتات). وهو ادعاء أنتجته مدرسة الأساطير والشعائر، التي سادت في بدايات الإناسة وانتمى لها روّاد عديدون. ورغم انسحاب هذا المنهج، مازال طاغيا على الباحثين العرب (كفراس السوّاح).

رأت تلك المدرسة اننا نستطيع فهم تنظيم وتغيّر مجتمع بالتوكّل على شهادة أساطيره وشعائره، لكن ثبت لاحقا قصورُ ذلك في موضوعنا وغيره، فصورة المرأة في الأساطير والآلهة (والأعمال الفنية) قد تناقض واقعَ تشريعات الدولة وممارسةَ المجتمع، وباضطراد ملفت. كما ان العديد من الأساطير والملاحم هي نصوص أدبية، وقَلبُ الواقع كان من أدواتها الجمالية. (وقد نجد تناقضا مشابها بين صورة المرأة في أدبيات مجتمعنا الأبوي وواقعه، ومن تجليّات ذلك صورة المرأة الملكة في مجتمع يحرّم ولاية المرأة.)

لم يتراجع بطش الأبوية لنصف البشر الا في العصر الحديث، وكانت قبلها الشكل الوحيد للمجتمعات البشرية، بكل اعراقها ومعتقداتها، ومنذ أقدم الأدلة الأثرية، ولم تكن أبدا خصوصية لمجتمع او عقيدة. فإذا نظرنا لمسائل افرزها ذلك التنظيم (كالولاية والتجهيل والعزل وحتى الوأد) فإننا نجد أمثالها في حضارات اخرى، كالعراق واليونان القديمَين. وخطأ ان نحمّل مجتمعا او دينا مسؤولية تأسيس (او عبء بقاء) النظام الأبوي المكلف إنسانيا.

اذا كان في خصوصيتنا خصوصيةٌ فليست حال المرأة، فهذا الحال نمى منسجما مع أقرانه في مجتمعات اخرى، ولم ينفعه انسجامه (آنذاك) ليكون رمز هوية ومواجهة للآخر المتخيَّل في الغرب، فالغرب شاركنا وضع المرأة القديم الذي أبقيناه لخصوصيتنا. وليس من خصوصيتنا (كذلك) أدوات تبريره، فقد شاركْنا الغربَ التبريرات، التي منها قراءة غائية للنص لتفسير وترسيخ مكاسبنا المعاصرة.

4أكتوبر

لن تنقذ اللحوم الصناعية حيوانات الطعام

نعرف أننا نعامل حيوانات الطعام (المواشي، الدواجن، ..) ليس ككائنات حية، بل كألات تنتج انسجة (عضلات، جلود، ..) لا نستطيع صنعها الآن. ومع آمال الانسان لصنع أنسجة كهذه، تصعد آمال لانقاذ الحيوانات، بترك استخدامها كمادة للطعام والصناعة. لكني أظن ان بدائل حيوان الطعام لن تنقذه، بل ستؤدي لانقراضه. أي أن هذه الكائنات الحية هي بين مصيرين: بقائها كمادة للطعام والصناعة، أو الانقراض.

طبعا، كانت هذه الحيوانات بريةً قبل أن يستأنسها البشر. الأجيالُ الأولى البريةُ اختفت تقريبا، وما ينفعُ الناسَ مَكَثَ في الارض، لأن الانسان أذِنَ لتناسلها ورعاه. وعبر اجيال من البشر، تم تفضيل سلالاتِ حيواناتٍ حسب نفعها لبقاء الانسان، وفنَى غيرُها. أي أن تطور حيوانات الطعام حكمته سلطتان:
١) الطبيعة: حيث فَرزت الظروف الطبيعة هذه الحيوانات، ونجى الأقدرُ على البقاء.
٢) الانسان: حيث فَرز الانسان هذه الحيوانات، ونجى الافضلُ لبقاء الانسان.

قدراتُ الحيوانِ الانفعِ لبقاء البشر تُناقضُ قدراتَ الحيوانِ الانفعِ لبقاءه هو، والسلالات التي اصطافها الانسان لنفسه هي كائناتٌ إتّكاليةٌ عليه، وعاجزةٌ عن العيش في بيئاتها الطبيعية الاولى. هي مُسوخٌ هشّة، فارتقاء الانسان احتاج انحدارَ كائناتٍ أخرى (وربما بشرٍ آخرين!)

هذا النقاش يساوي حيوانات الطعام بكل ما يتداوله الانسان (الافكار، السلوك، المنتجات، ..)، في ما يشبه داروينية يسيّرها نفعُ الناس، فاذا وصَلَنَا نبات أو سلوك أو كتاب فلأن أجيالا من البشر رعت تكاثره فلم ينقرض. واذا نمت فكرةٌ في مجتمع، فلأن الاغلبية هناك يرعون تكاثرها. إن سلطة الاغلبية تلك واسعة وعميقة، وأضخم من جهودنا للنجاة منها، وما نستهلكه اليوم هو فرَضٌ من الاغلبية. لنأخذ الانترنت كنموذج. اعطت الانترنت (كارشيف جماعي للمعرفة البشرية) ملجأً سهلاً للأفكار، لكن البحث في هذا المخزون منحازٌ لما ترشّحه الاغلبية (مثل أسلوب جوجل المسمى Page Rank). لهذه الاسباب وغيرها، صارت بُنيةُ ادوات البحث (كفهارس للمعرفة البشرية) مقلِقةً حضارياً.

أعودُ لموضوعنا! عَتْقُ الانسان لحيوانات الطعام لن يكون سببُ انقراضها الوحيد. صُنعُ انسجة بديلة للحيوان سيكون نتاجَ علومٍ مثل هندسة الانسجة أو التصنيع الحيوي، وأولُ اهداف هذه العلوم قد يكون تعويضَ اعضاءٍ بشريةٍ مختلّةٍ وظيفيّا، فيطولُ عمرُ الانسان، ويزيدُ سكانُ العالم واخلاءُ بيئة الكائنات الاخرى لسكن البشر. اذا نبذ الانسان الحيوانات كمادة للطعام والصناعة، فلن يرحب بها كمنافس على موارد الارض.

أخيرا، دعونا نراجع دوافع رفض تربية حيوانات الطعام:

١) أخلاقية (أو عقائدية): ضد مبدأ أو طريقة ذبح الحيوان، أو ظروف رعايته، أو حتى أكله.
٢) صحية: ضد مبدأ تناول اللحوم، أو مشككة في سلامة طرق تغذية الحيوانات او معالجة لحومها ونقلها وتخزينها على صحة الانسان.
٣) بيئية: قلقة من التكلفة البيئية لتربية الحيوانات للطعام، فنحن نستهلك سنويا من الحيوانات البرية نحو ١٠ اضعاف عدد البشر.

ان فُرص تحقيق تلك الشروط تنخفض مع ارتفاع عدد البشر أو مستواهم الاقتصادي، ويبدو أن ارتفاع جودة حياتنا (صحيا واقتصاديا) يخفض قسراً أخلاقية وصحيّة وبيئيّة طعامنا، الا اذا ابدلنا (طوعاً أو كُرهاً) الحيوانَ بأنسجة مُصنّعة. قد تحقق البدائلُ الآمانيَ الثلاث، الا نجاة حيوان الطعام.

كنظامنا الغذائي الحالي، سيكون لبدائل اللحوم آثار ثقافية واجتماعية عميقة. مثلا، ماذا سيكون تعريفنا للذة الطعام؟ وماهي المظاهر الطبقية للذة، اذا كانت النُدرةُ عنصرا في لذة طبقة اجتماعية؟

23سبتمبر

المعلومات المهنية في الشبكات الاجتماعية

إحدى الظواهر السيئة عندنا هي الكتابة في الشبكات الاجتماعية عن خصوصيات المهنة، والحالات التي لاحظتها في تويتر تنتمي لواحد أو أكثر من الانواع التالية:

١) موظف يعرض خبرته في مجاله: هذا جيد، اذا تجنب خصوصيات مؤسسته.
٢) موظف يعرض خصوصيات مهنته لجذب المتابعبن، وأحيانا يفعل ذلك بعد ترك المؤسسة، وكأن التزامه القانوني-الاخلاقي ينتهي مع تركه المؤسسة. وهناك من جنى مكاسب شعبية من التجارة بخصوصيات مهنة سابقة.
٣) موظف يعرض خصوصيات مهنته انتقاماً من مؤسسته او جهات مرتبطة بها.

وفي كل تلك الاحوال، تكون التفاصيل المعروضة خليط من الصحيح والخطأ، حسب موقع الموظف في المؤسسة وموقفه من الموضوع.

علينا الحد من هذا السلوك الخاطىء. واقترح على المؤسسات محاسبة هؤلاء قانونيا، لرفع التزام الأفراد وخفض فوضى الفضاء العام.

21سبتمبر

ترجمة: لبنان، الحشيش والحرب

هذه ترجمة لمقاطع من كتاب مارتن بُوث “القِنَّب في التاريخ” عن تاريخ نبتة الحشيش:

كان لبنان المزوِّد الاخصب للحشيش بالمنطقة في الستينات والثمانينات، رغم الحظر الرسمي للحشيش. كان الحشيش اللبناني يُميَّز بتعبئته في اكياس بيضاء من القطن او الكَتّان، وتُختم الاكياس بعلامات تجارية بسيطة كالاسد او النجمة والهلال او شجرة الأرْز، وعلامة الأرْز مثّلت أفضل حشيش عند الغرب وعرفوه بالذهب اللبناني.

منذ بداية الخمسينات، كان لبنان وسوريا ينتجان معاً ٣٠٠ طن حشيش سنويا، بينما كان المستهلكون من السكان أقل من ١٪ في ١٩٧٦. كما كان شائعا في المجتمعات الاسلامية، لم يدخن الحشيش الا الرجال، وكانوا يدخنون بالنارجيلة وفي السر.

منطقة الزراعة الرئيسة كانت وادي البقاع، حيث أقامت عشائر الدنادشة [الشيعية] مجتمعا زراعيا. حدثت محاولات في منتصف الستينات لجعل الدنادشة يزرعون محاصيل بديلة كعبّاد الشمس، ولم يتحمس المزارعون. حتى مع دعم الاسعار، فضلوا القِنَّب الذي استهلكت زراعته جهدا ومالاً أقل. استمرت الزراعة، أحيانا بين حقول نبات عبّاد الشمس الطويل الذي ستر المحصول الحقيقي عن الجميع الا المراقب من الجو.

تجارة الحشيش محلياً و (الاهم من ذلك) للتصدير أكسبت عدة فصائل دينية وسياسية أموال كثيرة، في بلد كان مقسَّما إجتماعيا وعرقيا. عندما اندلعت الحرب الاهلية بين المسلمين والمسيحين في ١٩٧٥، كان عند الجماعات المقاتلة عتاد حربي كبير. وبعدما سيطرت الحرب وانهار الاقتصاد، صار الحشيش مصدر الدخل الحقيقي الوحيد. زراعة الحشيش صارت عمليّاً البند الوحيد في الناتج المحلي الاجمالي، وموّلت تجارة السلاح والقتال.

كان التصدير اساسيا، وجزءٌ مُعتَبرٌ منه ذهب لمصر. والكثير هُرّب للغرب، خاصة أوروبا. مزارعوا القِنَّب الشيعة (وهم من المتعصبين للاسلام) كانوا ايضا يبيعون الحشيش لاسرائيل، العدو المقاتل لرفيقهم حزب الله، الجماعة العربية المسلحة التي حاربت سعياً لدولة فلسطينية عربية.

وكشف مقال في صحفية التايمز في ١٩٩٦ خطة للموساد الاسرائيلي لشراء حشيش لبناني وتوزيعه في مصر بعد حرب الايام الستة عام ١٩٦٧. رُمِزَ للعملية بـ لاهاڤ (أي الشفرة)، وباعت حشيشا لتجار مخدرات مصريين قرب قواعد للمجندين. كان الغرض إضعاف الجيش المصري. واستمرت عملية الشفرة طوال الحرب الاهلية اللبنانية وبعد انتهائها (في ١٩٧٩) بفترة، وبالتالي كانت اسرائيل مسئولة عن تمويل الجماعات المقاتلة قبل بدء الحرب الاهلية، واطالة تلك الحرب، و (بشكل غير مباشر) تمويل القتال جزئيا، و (في نفس الوقت) العمل في تجارة المخدرات الدولية، مخالِفةً الاتفاقية الوحيدة للمخدرات من الامم المتحدة. ولأن اسرائيل اختارت إهمال عدة قرارات من الامم المتحدة بالنسبة لحقوق العرب الفلسطينين، وتجاهلت اتهامها باعتداءات وحشية ضدهم، فإن اهمال الاتفاقية الوحيدة لم يكن امرا عظيما.

في ١٩٧٠، مثّلت افغانستان ٣٠٪ من انتاج الحشيش العالمي، ولبنان ٢٥٪، وباكستان ٢٠٪. وبعد عشر سنوات، اظهرت الارقام ان لبنان اعطى ٣٥٪، يتبعه باكستان (٢٥٪)، ثم المغرب (٢٠٪).

17سبتمبر

الانضباط هو عائق السعودة الاول

إنضباط الشاب السعودي هو عائق السعودة الاول، وليس المعرفة الاكاديمية أو المهارة الحرفية. و الانضباط (discipline) هو عائق الانتاجية الاول في الشرق الاوسط، وهو سبب تخلفنا الانتاجي – الابداعي مقارنة بالمناطق الاخرى في العالم. الشعوب الاكثر انتاجا ليست أكثر ذكاء، فالذكاء لا يصنعه المكان او الجنس او العقيدة، بل هو مادة خام موجودة بكل دولة بما يكفي حاجتها التنموية. ثم ان المؤسسات (كالدول و الشركات) لا تحتاج الا القليل من الاذكياء المنضبطين في المهام الابداعية (كالقيادة و الابحاث والتطوير)، أما اغلب العاملين فلا يحتاجون سوى الانضباط لتشغيل المؤسسة بكفاءة. الانضباط هو العامل المشترك بين كل الدول العالية الانتاج، وليس انخفاض الفساد و البيروقراطية أو ارتفاع الديموقراطية و الليبرالية.

الانضباط هو ان يتحمل الفرد مسؤولياته بلا تقصير وصلاحياته بلا تعدي، ويشمل ذلك (ضمنا) الالتزام بمسؤوليات وصلاحيات الاخرين في المؤسسة، دون الخلط بين دوره في المؤسسة و خارجها. هذه هي القيمة الاساسية التي تزرعها المجتمعات المنتجة في افرادها، من البيت للجامعة، فيحملها الفرد للوظيفة. واذا وجدت المؤسسة عجزا في مهارات الفرد فان انضباطه يعينها على رفع مهارته، فسيقبل النقد ويبذل جهدا في التعلم. وسواء كنا في المؤسسة أو البيت، فاننا نفضل المنضبط القليل المهارة على الماهر القليل الانضباط.

اعراض ضعف الانضباط تظهر في مرحلتين: البحث والعمل. نسبة البطالة بالسعودية هي حوالي ١٠٪ (في الاحصاءات المحافظة جدا)، ولا تكاد تخلو عائلة من عاطلين وعاطلات، لكن قلة من هؤلاء يبحثون عن وظائف باصرار. تجتذب بعض الوظائف اقبالا واسعا، كما تؤكد مشاهد محزنة، لكني اظن ان ذلك العدد هو نسبة قليلة من مجموع العاطلين الصالحين لتلك الوظائف، وهي وظائف تقبل خريجي الثانوية أو أقل، وهم كثيرون افقدهم ضعف انضباطهم (وليس ذكائهم) اكمال تعليمهم. اما في الوظائف المتخصصة، فالوصول للسعودي المناسب يحتاج شهورا من البحث. (من الطريف ان يلجأ سعودي في الرياض لبريطاني في لندن ليجد سعوديا في الرياض.) اعترف بوجود عوامل اخرى، فالتعليم لا يكسب الطالب مهارات التقدم للوظائف، واكبر اسواق الوظيفة بالخليج (السعودية) تفتقر قواعد بيانات وظيفية، كما تفتقر التدريب المتخصص، لكني أرى ان الانضباط يستطيع التغلب على هذا الوضع.

الانضباط هو اهم ما قدمت جامعة الملك فهد و معهد الادارة لمخرجات التعليم، و ما نريده من كل المؤسسات التعليمية هو تعزيز ثقافة الانضباط بصرامة. من المؤسف ان نحمِّل مرحلة التعليم الاخيرة (الجامعات والمعاهد) كامل مسؤولية اصلاح السلوك، وجعله هدفا يسبق المهارات الاكاديمية، لكنها تبقى صمام الامان الاخير قبل سوق العمل. من نواقص هذا الخيار أن الكثير من السعوديين يكتفون بالشهادة الثانوية أو اقل، وغياب التشديد على الانضباط في البيت و المدرسة يحرم هؤلاء من تطوير سلوكهم و يثقل المسؤولية الاجتماعية التي نحملها الجامعات والمعاهد.

بلا شك، نتيجة تمدننا الطارىء هي خليط صعب من التقدم والانتكاسات القِيَميّة، وانضباط الفرد هو احد القيم المتضررة. لنأخذ قريتي البحرية – الزراعية بجوار الخليج كمثال. البحار والغواص عرفا ان التهاون يكلف الحياة، و الغوص مؤسسة تراتبية بانضباط العسكر. اما الزراعة فاعتمدت على حضور المزارع قبل ظهور الشمس واهتمامه المضني بالمحصول والحيوانات طول العام. كما ان الزراعة هناك كانت اقطاعية في الغالب، فالمزارع لم يملك الارض، بل سكنها وادارها مقابل كمية محصول التزم بها للاقطاعي، وقد يخسر مزرعته (اي دخله وسكن عائلته) اذا اخل بالشروط او قدم مزارعٌ آخر التزاما أعلى. اذن، الانضباط ضرورة في البحر و المزرعة، وحدود المسؤوليات والصلاحيات جزء منه. وفي كل الاحوال، لم يتوقع او ينتظر الفرد حلولا لمشاكله من الحكومة أو غيرها. هذه القرية الجميلة الطاهرة تواجه اليوم (كغيرها) تبعات الفقر والجهل، فكثير من شبابها هم خارج اقتصاد بلدهم (وهو أكبر اقتصاد بالشرق الاوسط)، اما لانهم لا يعملون، او يعملون باجور تبقيهم تحت خط الفقر. هؤلاء السعوديون يتكئون على حيلَتي الضعيف: الشكوى و الرجاء.

قيم الانضباط نفعت (وان لم تكف) الاجيال الاولى التي عملت بالمؤسسات الحديثة، لكنها لم تنتقل لاجيال لاحقة. كان الانضباط قيمة يتعلمها الفرد من مجتمعه، فصارت صفة نادرة ضد التراخي العام. اظن ان سبب انتكاس الانضباط هو دخول (وطريقة دخول) الدولة كمستثمر شريك في مشروع تنمية كل شاب، بعد ان كان يحدد مصيره بموارده وظروفه المرتبكة. كممول، شاءت الدولة ان تكون شريكا في الارباح ( أي قصة النجاح)، ففهم الناس انها (ايضا) شريك في الخسائر. فعندما قالت انها سبب التوظيف، فهم الناس انها سبب البطالة ايضا. كما ان عقد الشراكة يُنفّذ بتساهل يحمّل الدولة مسؤوليتي التمويل والنتائج، وتعفي الشاب من المسؤولية بجعله متلق سلبي. يجب على أي حل لهذا المأزق ان يشدد على ان الشراكة مشروطة بالتزام، والاستثمار محدود بنتائج الالتزام. ان وصاية البيت والدولة المسرفة على الاجيال الجديدة اتلفتها، واتلفت البلد.

اغلب دوافع استيراد العمالة خاطئة، ولا يخرجنا من وضعنا الهالك – المهلِك سوى التزامات صلبة من كل الاطراف. لكن القيمة الحقيقية التي نستوردها في العمالة هي الانضباط، فالميكانيكي يتعلم اصلاح سيارة يراها لاول مرة وبعبء قليل على مؤسسته، لأنه يعتبر اتقان الصنعة شرط بقاء، وهكذا يفعل المبرمج والمهندس. قِيمهم تحملّهم وحدهم مسؤولية بقاءهم ونجاحهم، فهم لا يتقنون اللجوء للغير لانهم لم يعرفوا في حياتهم من يلجأون له.

16يونيو

الطائفية على مذهب أرسطو

مغالطات منطق ارسطو تبدأ بتعريفه، فهو لا “يعصم العقل من الخطأ في الفِكر”. ابتكره وثنيون، و وظفه اليهود و المسيحيون و المسلمون فوافق تناقضاتهم. إنه مومس نامت مع الجميع و شهدت للجميع.

أليس غريبا أن تجد كلُّ العقائد المتناقضة (الدينية و السياسية) في معرفة الانسان أدلةً على صحتها و خطأ كل الآخرين؟ هل تحولت المعرفة الى مرآةِ تخبر كل شخص أنه أجمل البشر؟ ما أهمية شهادةِ لا تفرض رأيا واحدا على الجميع كما يفعل مقياس الحرارة و جدول الضرب؟ المعرفة التي لا تصرخ برأيها على الجميع لا تصلح قائدا او شاهدا.

الإستخدام الشعبي للمعرفة هو ترميم عقلنا القديم بأدلة متمدنة. العقل المفطور على العنصرية، مثلا، يجد في كل معرفة يكتسبها (من الشعوذة إلى الدين و العلم) عونا له، و كذلك العقل المفطور على الاستضعاف أو الابداع أو العنف أو الكرم، فالمعرفة (في استخدامها الشائع) لا تغيّر قناعاتنا بل تؤدلِجُها، اي تحولها لقيم ننذر حياتنا و موتنا لها.

كره الآخرين يُزرع في عقولنا الطرية قبل أن ينضج جهازها المناعي، فكل فرقة ناجية تقنع أبنائها أنها الحق بإثبات أن كل الآخرين على خطأ، ثم تعزلهم عن الآخرين كإجراء وقائي إضافي. نكبر و تكثر معرفتنا، فنستخدمها للدفاع عن القيم التي زُرعت فينا في أشد لحظات ضعفنا (بل غيابنا)، عندما كنا أطفالا.

التاريخ هو جلدنا الملتهب الذي لا نستطيع لمسه حتى لعلاجه. لكنه لا يقل او يزيد شأنا عن مرمى نفايات سكان نيويورك، فهو خليط من التيجان و الجثث و اناشيد الاطفال و الصديد و التعاويذ و كل ما يطمع فيه لصوص الاثار و شحاذي المزابل. إليه يرجع الجميع (المنتصر و المهزوم و الجائع و الجشع و المجتهد و البليد ..) فيجدوا اسباب التأييد و الرضى، فهو لا يعيد ذا حاجة خائبا. الكل يبحث عن قِطَع مرآته القديمة في ذلك الركام، و الشظايا الصحيحة هي التي تصنع مرآة تُرينا وجهاً يشبهنا، فالتاريخ يحمل وجوها بعدد وجوهنا و رغبات هي كل رغباتنا.

الشرق الاوسط هو شريك مؤسِّس لتعددية الانسان، و صعدت تعدديته مع حضارته، و هي تنكمش بقسوة تَراجُعِ حضارته. لا يستطيع مجتمع حَضَريٌ منتجٌ الا أن يكون تعدديا، فإذا ادرنا عجلة الانتاج فسيعمل الناس في كل شيء، بلا حدود، و كثير من محفزات الابداع الانساني تدفع للمحمود و الممنوع معا، فالابداع و البدعة يولدان و يموتان سويا. الشرق الاوسط يحتاج صمود كل الاقليات لكبح جماح كل الأغلبيات، فوحشة الرأي هي وحشة الانسان.

أغلب التيارات الدينية المعاصرة تشتغل في السياسة لا العلم، فهي (كأغلب الساسة) تحتاج عدوا يغذي برنامج المواجهة الدائمة (أو الولاء و البراء). وهي (كأغلب الساسة أيضا) تستخدم قِيم عدوها للحكم على قِيمها (enemy-centric)، فرغم انها بدأت كمدارس فكرية حرة الا انها تعلمت آليات البقاء السياسية بعد أن جعلت من آرائها هوية سياسية لا تتحمل المساومة، وصارت ترجّح حساب الارباح و الخسائر على الرآي الحر. الكثير من الفقهاء اليوم هم أساسا سياسيون، فحركتهم تحكمها تفاصيل معركة مفترضة.

12أبريل

السيد منير و فيس بوك (٢\٢)

ما يرفض ظهور رجال الدين في فيس بوك ليس الدين بل التدين المحافظ، فالتدين الشائع يمجد القيم المحافِظة، و هو بذلك يحرِّم ظهور رجال الدين في فيس بوك إذا أُعتبر ذلك تحررا، فنحن إذاً أمام مواجهة جديدة بين القديم و الحديث بإسم الدين. المحافَظة تقول أن “الخير في القديم” و التحرر يقول “الخير في الجديد”، و لأسباب معينة تحالَف التدين الشائع مع المحافَظة و صارت تعبر عن رؤيته الدينية، و صرنا نرى (بنظاراتنا المحافظة) في الدين تمجيداً للاقدم و نبذاً للأحدث (الفرد و السلوك و الفكرة و الُمنتَج)، ليتفق ذلك مع قراءة عقائدية سائدة للتاريخ تدّعي أن أخلاقيات البشر في هبوط مستمر (و الحال عكس ذلك). إن إختيار التدين الشائع للمحافظة شريكاً يستحق الدراسة، فهل التديُّن يجعل الانسان محافظا؟ أم أن المجتمع المحافظ يُفرز تديناً محافظا؟ أم لا علاقة سببية بينهما؟

يريد المحافظ الثبات و اليقين في عالَم الحركة و الشك، فيجد يقينه في القديم بينما يَسعَدُ المتحرر بالجديد، لكن تناقضهما العنيف يخفي بلادة جوهرية مشتركة، فهما يتجنبان التفكير بتفويض “الزمن” للحكم على الأشياء. و بينما يقبل المتحرر الجديدَ وان لم يكن سائدا، يفضِّل المحافظُ القديمَ الشائعَ على القديمِ المندثر، فالمحافظ إذن يضيف شرطا على الزمن هو “الشيوع”، و القديم الشائع هو “العرف”. لكن العرف (كاللباس و الطعام) هو ما قبِله المجتمع من خيارات قيّدتها حالتُه البيئية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و التقنية و غيرها، و المجتمع إختار ما يرضيه مما اتاحته تلك القيود، فالعرف محروم من الكمال لأن المجتمع لم يكن حرا أو كاملا عندما اختاره، بل العرف هو ترجيحات واقعية/نفعية/برغماتية لاءمت قيود المجتمع آنذاك، ولو اختلفت تلك القيود لنتج عرفٌ مختلف. المحافظة و التدين الشائع يتفقان آيضا على تفضيل العرف، و من الطريف أن يحاربا البرغماتيةَ (كموقفٍ من الواقع) و التكيّفَ مع القيود المعاصرة بينما يختاران قراراتٍ برغماتية قديمة، أي أن مشكلتهما ليست مع البرغماتية بل مع برغماتية هذا الجيل المدنَّس مقارنة بأجيال قديمة مقدَّسة، و ذلك يجعلهما برغماتيان أيضا ولكن برغماتيان متخلفان.

يقبل التديّنُ الشائعُ العُرفَ مع سيرة العقلاء و المتشرعة، لكنه يرفض الديمقراطية التي تعطي نفس القيمة التشريعية لارادة الناس، لأن الديمقراطيةَ ارادةُ الاحياء المدنَّسين والعرف إرادة الاموات المقدَّسين، و بهذا يتواطىء التديُّن الشائع مع المحافظة لابطاء حركة المجتمع بربط أقدام كل جيل بأقدام سابقه.

الانسان في تطور أخلاقي، بعكس الادعاء العقائدي السائد. و سبب هذا التقدم هو تحسن مستمر في ظروفه البيئية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و غيرها، مما يخلق خيارات تقدمية جديدة. ان تخلف برغماتية المحافظين يؤجل الاستفادة من خيارات أفضل لحين تجعلها حركةُ البشر الطبيعية عُرفاً، فالمحافظُ يتبنّى عُرفا هو تحرّرٌ قديم رَفَضَه جَده المحافظ و يرفض تحررا جديدا سيصبح عرفَ حفيدِه المحافظ، فالتغيير كفر حتى يقبله الزمن، ثم يصبح ايمانا و غيره كفر. لكن الفجوة بين المتحرر و المحافظ لا تتجاوز الجيلين عادة، فالمحافظ يعرف أنه لو طبق القِيَم الخِطابية المجردة (الصالحة لكل زمان و مكان) أو تقمص المظهر و السلوك الكاملين لقدوة تاريخية لأصبح قطعة نادرة في متحف التاريخ الطبيعي، و لذا يرضى بتحرُّر جيل جده أو ابيه، أي أنه يفضل تحرر جيلٍ سابقٍ مُقدّس (تحرر أيام زمان) على تحرر الجيل المعاصر المدنَّس، فالمحافظ متحرر أيضا لكنه متحرر متخلف.

تأخَر دخول رجال الدين للانترنت حتى تأسست مواقع معقَّمة، ثم تأجَّل توظيفهم للفضائيات حتى جاءت قنوات لا يشاهدها الا المطهَّرون، و سيتكرر ذلك مع فيس بوك، فبدل ان يصبح الدين سلوك البقّال و الخياط و الطبيب صار دكانا منفصلا و اصبح التدينُ حياةً خارج الحياة. مؤسس صفحة السيد منير في فيس بوك هو متدين يعشق السيد، و قد حاول حمل القيم و الشخصيات التي يوقرها معه، لكن السيد لا يود أن يذهب حيث اتجه كثير من محبيه و ١٧٥ مليون شخصا، فأغلب رجال الدين يفضلون البقاء وحدهم على الانتقال لمنبر لم يقبله العُرف بعد. لكن جيل واضع الصفحة يؤسس عرفا يقبل فيس بوك، و سيلد ذلك الجيل رجال دين محافظين لا يستعيبون ما حرّمه آبائهم. لو اختار السيد المِهَنيّة لذهب حيث جمهوره، بل لتَركَ منابر “هداية المهتدين” لعدم جدواها المهنية واتجه حيث تحضر الفرصة وان غاب العُرف، اذ لا يخلو فيس بوك من حُجّة!

3أبريل

السيد منير و فيس بوك (١\٢)

السيد منير الخباز رجل دين و خطيب شيعي مهم في شرق السعودية. حرَّم السيد وضع صُوَره في فَيْسْ بُوكْ، بعد أن أقام أحد محبِّيه صفحةً له أسوةً بالكثير من المشاهير الذين يكرمهم أعضاء فيس بوك. و يرى السيد أن من المستهجَن لدى المتدينيين الملتزمين أن يضعوا صورهم هناك، ففيس بوك لا يليق به ولا بأمثاله، و طلب إبلاغ واضع الصفحة أن السيد يحرم ذلك ولا يرضى به أبداً.

موقف السيد منير يعتمد على فهم خاطىء لفيس بوك، ففيس بوك ليس موقعا للصور الاعلانية، بل نموذج لتيارٍ طاغٍ إسمه “التواصل الإجتماعي”. لقد وعى التِقنيُّون أهمية ذلك التيار، فطعَّموا منتجاتهم بقدراته، و لم يفرِّقوا في ذلك بين التقنيات الشعبية (كالهواتف المتنقلة) و ما يعتبر أكثر وقاراً (كأنظمة المؤسسات). وصارت بعض جهات التعليم و التوظيف تستخدم (أو تسيء استخدام) فيس بوك و غيره للتعرف على المتقدمين لها و الحكم عليهم. فقد يُرفض طالب وظيفة لأن جوجل لا يعرفه، فكأن “من لا يُوجَد في جوجل فهو غير موجود”، لأن الوجود هناك يعني الانتاج، و سيكون حال كل ناشط اجتماعي كذلك مع فيس بوك. رجل الدين الداعية هو من كائنات جوجل (لانه منتِج) و فيس بوك (لانه ناشط اجتماعي).

يَفترض موقف السيد منير أن في فيس بوك ما يلوِّث نقاء رجال الدين. ان الإلحاح في إجتناب الملوِّثات وضَع رجال الدين في حَجْرٍ صِحِّي، فهم لا يحضرون الا أماكن معقمة، و هذا لا يتفق مع الدعوة. مهنة الداعية (كالطبيب) تحتاج معاشرة المرضى أكثر من الاصحاء، فالاطباء يقيمون بمواطِن المرض لا أماكن الصحة. الداعية النقي هو طبيب لم تصبه عدوى لأنه لم يلتق مريضاً، و لم تفشل له عملية جراحية لأنه لم يُجرِ أي عملية. لأن كل من عملَ أخطأ، قرر هذا الطبيب تجنب الاخطاء بتجنب العمل.

أخطرُ الجراثيم تعيش في المستشفيات، فقد إعتادت أقسى إجراءات التعقيم. و أشد الآفات الأخلاقية تسكن المساجد، لأنها تكيّفت مع أصلب الفتاوى. وعلمتنا الأزمة الاقتصادية الأميركية أن أشد مخاطر المال هي بين سادة المخاطرة المالية في العالم (أو هكذا حسِبناهم). إن ظن السيد منير أنه يَفِرُّ بدينِه من فيس بوك للمسجد فهو مخطىء، كما يخطىء الطبيب الذي يهرب من جراثيم الشارع لجراثيم المستشفى. فيس بوك و المسجد و المستشفى و سوق المال هي بطهارة الانسان و نجاسته، هي الانسان، هي نحن.

لا يستطيع أحد الجمع بين الانتاج العالي و الطهارة العالية، و على رجل الدين أن يختار بين المِهَنِيّة و التنسك. المِهَنيّ (كالداعية أو المعلم أو المهندس) فرد منتج إجتماعيا، و هو بذلك عرضة للخطأ، و خطأه ليس نتيجة أخلاقية بل إحصائية، فمن يعمل أكثر يخطىء أكثر، و زيادة الأخطاء سعرٌ محمودٌ لزيادة العمل. أما الناسك فهو فرد غير منتج إجتماعيا، و هو نموذج انساني لا يستحق الثناء أو الاعانة. أحد مشاكل تراثنا (و تراث غيرنا) أنه أكرم النُسّاكَ ببذخ، بل فضلهم على المهَنيين، و ترويج هذا الفكر رغّب مهنيينا للجمع بين نقيضين: المهني و الناسك. ولأن التُراثِيّين يقودون مجتمعنا، تقلصت المهنية لأدنى ضروراتنا الحياتية، و تقلصت معها فترة الانتاج في حياة الفرد، و هذا يفسر قلة انتاج مجتمعات “النُسّاك الطاهرين” مقارنة بمجتمعات “المهنيين الخطّائين”.

9أبريل

الاستنساخ المقدس، معه و بعده

مجتمعاتنا المحافظة هي آلات استنساخ، تنتج أفرادا حسب القالب المقدس الأول. و كل فرد يشذ عن ذلك القالب يعامل كقطعة معطوبة في خط انتاج، و يُتلَف حسب طقوس عبادية صارمة تشبه كوميدياها المقدسة مشاهد تطهير آثار الأطفال في “شركة المرعبين المحدودة”. هنا فقط، كل مختلِفٍ يصير مخالِفا (بالأذن من أدونيس).

الجنس حافز فردي لهدف جماعي هو البقاء، و هو في آليته يشبه الحوافز الإدارية التي تربط أهداف الأفراد بأهداف الجماعة. فرغبة الفرد الجنسية لا تسعى لبقاء النوع، بل لبقاء الفرد نفسه، لكن ذلك الهدف الفردي الأناني يحقق الهدف الجماعي. الجنس هو حيلة الفرد لتمتد حياته في جسد آخر، هو عملية استنساخ للجسد، و في المجتمعات المحافظة يكون استنساخا للثقافة أيضا، أي أن الجنس هنا هو حفظ لـ “بيولوجيا” و “ايدولوجيا” الجماعة. لا يجوز لبيولوجيا المجتمع المحافظ أن تتلوث ببيولوجيا الآخر، و لا أن تتلوث ثقافته بثقافة الآخر، فالاستنساخ الجماعي يجب أن يتم تحت أشد شروط التعقيم صرامةً.

يميز المجتمعات المحافظة جهازُ مناعةٍ قوي يحطم كل خلية مختلفة في جسد المجتمع، و لأن الجسد (و خلاياه) يعيش أسباب تغيير ضخمة، فإن جهاز المناعة سيحطم جسده إن لم يكبح الجسدُ مناعتَه. موجة العنف الأخيرة هي من أعراض تغلب المناعة، أي أن الجسد – المجتمع حاول تحطيم نفسه بِنِيّة حماية نفسه.

المؤسسة الدينية هي جهاز مناعي في المجتمع، و إذا أردنا تغيير جسد فيجب ألا نوكل المهمة لجهازه المناعي. و المؤسسة الدينية هي ضابط الإستنساخ، لذلك تقبض بشدة على أهم أدواته: المرأة و التعليم و الإعلام. إذا تحررت هذه المؤسسات من احتكار أي جهة، فإن مجتمعنا سيغادر مرحلة استنساخ لم تنقطع منذ عُرفنا عَرَبَاً.

الإرادة السياسية الحالية تدفع لذلك بتأن و إصرار، و ستكون مرحلة “ما بعد الإستنساخ” قاسية علينا، إذ ستتكاثر الأشياء التي لا تشبهنا، و هذا تنكره القيم التي صنعناها في زمن الاستنساخ، و سنحتاج مرجعية ثقافية “ما بعد استنساخية” تقبل الاختلاف و تحميه.

ليتني أكون المستنسَخ الأخير..

© Copyright 2013, All Rights Reserved