10أغسطس

ابطال رسوم الاطفال والشخصيات الدينية

ابتكر نايف المطوع شخصيات خارقة للاطفال تقابل سوبرمان وغيره، وفكرته هي الـ ٩٩ شخصية (بعدد اسماء الله الحسنى) التي تشكل فريقا بطوليا يحاول تقديم قيم اسلامية ايجابية للجميع. حاز هذا العمل السبّاق اهتماما عالميا واسعا، فامتدحه الرئيس اوباما وحصل على عدة جوائز.

في بداية تعريفه بالـ ٩٩ لجمهور TED، ذكر المطوع ان شخصيات خارقة اقتبسها مبتكروها من التراث الديني، واعطى الامثلة التالية:

– باتمان وسوبرمان اقتبسهما يهوديان من التوراة.

– مثل الانبياء، فقدَ الابطال الخارقون آبائهم، فوالدا سوبرمان ماتا قبل اكماله السنة، و باتمان فقَد والديه قبل السادسة، و سبايدرمان ربته عمته.

– كما تلقى الانبياء رسالاتهم من السماء، فان كل الشخصيات الخارقة أخذت رسائلها من الاعلى. تلقى سبايدرمان رسالته بلسعة عنكبوت هبط له في مكتبة، و باتمان نزل له خفاش وهو في غرفة نومه. اما سوبرمان فانه لم يُرسَل من السماء فقط، بل أرسِل وهو رضيع داخل قذيفة، وكأنه موسى يُترك في النهر، وقال والده عند ارساله: “ارسَلت لكم ابني الوحيد”، في مقاربة لصورة عيسى في المسيحية.

والد سوبرمان  يرسله للارض في قذيفة

ملاحظات المطوع صحيحة، لكن نتيجته خاطئة. ابطال رسوم الاطفال يشبهون الشخصيات التوراتية، لكنهم لم يُقتبسوا (بالضرورة) من قصص الانبياء. ان كل الابطال (في القصص الديني وخارجه) تتشابه صفاتهم، ورحلتهم البطولية (من الميلاد حتى النهاية) تمر بمفاصل متشابهة، لا تخرج عن ذلك قصة نبي في كتاب مقدس أو مجرد غزال في أسطورة أفريقية قديمة. ما يبدو شخصا أو حدثا خاصا هو قطعة من نسيج حاكه واستلذه كل البشر في كل الازمنة، فهو بقِدَم ذاكرة البشر، ولو سألنا والتر بركيت لربما اقسم ان صورة وسيرة البطل ورثهما الانسان من جينات اجداده!

في كتابه الشهير “البطل ذو الألف وجه“، درس جوزيف كامبل اساطير البطولة لدى الشعوب، ولاحظ تشابهها. مثل هوليوود (شيخ حكواتية زماننا)، تُسمعنا تلك القصص ما نحب، لانها (هي ايضا) تريدنا ان نتلقاها وننقلها بشغف دائم. لم تأخذ بطولاتُ هوليوود ورسومُ الاطفال فكرتها من الكتب المقدسة، بل ان الجميع رجع لنسق البطولة المحفوظ في اللاوعي الجمعي للبشر، كما اقترح كارل جونك الذي تأثر به كامبل.

وضعُ سوبرمان الرضيع في قذيفة هو نسق متكرر في أساطير البطولة يسميه كامبل “نفي وعودة الرضيع”. هذا موجز لأمثلة قدمها كامبل، مع تعليقات مني:

١) الملك سرجون الاكادي (٢٣٠٠-٢٢١٥ ق م): القائد الشهير هو ابن امٍ وَضِيعةٍ وأبٍ مجهول، وأخفت والدته حمله وولادته عن بطش الملك، وتركته في سلة بنهر الفرات، ثم التقطه عامل بقصر الملك، فتربى في القصر وكبر ليغلب الملك.
كُتبت اقدم نصوص التوراة نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي ان قصة سرجون سبقت التوارة بنحو ١٣٠٠ عام.

٢) شاندراجوبتا (٣٤٠-٢٩٨ ق م): مؤسس سلالة موريا الهندوسية هو ابن خطيئة لام وضيعة واب نبيل، وقد تُرك في جرة عند حظيرة بقر، ليكتشفه راع ويربيه.
آنذاك، لم تعرف الهندُ اليهوديةَ لتتأثر بها.

٣) البابا جرجوري (٥٤٠-٦٠٤ م): ابن خطيئة من توأمين نبيلين. وضعته أمه في تابوت والقته في النهر، ثم التقطه ورباه صيادون.

وفي هذه الامثلة (وغيرها) يعيش البطل بلا أب (ولا نسل)، لان اباه ميت أو مجهول، فدور الاب في سيرة البطل لا يتجاوز الاختفاء بعد تقديم البطل للوجود.

و لحظة تلقي الرسالة (التي اشار لها المطوع) هي من اهم مشاهد سيرة البطولة. يأتي نداء البطولة من السماء، كما تأتي الهداية (بالنور والنجوم) والحياة (بالشمس والمطر) والغضب، فالرب هو “العالي” كما سماه اهل الهلال الخصيب، و هو من ارتبطت المرتفعات بمعابده وعبادته. و يزيد كامبل، عادة ما تُبلغ الرسالةَ قُوةٌ مجهولة ومخيفة، و ينكرُ البطلُ الامر ليعود لحياته القديمه، لكن تظهر علامات تؤيد البلاغ فيقبله. ويستعير كامبل اقتراح فرويد بان كل لحظات التوتر تعيد خلق المشاعر المؤلمة للحظة الانفصال عن الام (كضيق النفس واحتقان الدم)، فكأن البطل يواجه “أزمة ولادة” للانفصال عن جسد حياته وقبول سيرة جديدة.

أخذ كامبل من جيمس فريزر عالمية النموذج الاسطوري، ففريزر كان المرجعية المؤثرة لدراسة الاساطير والطقوس العالمية، ففرويد (مثلا) استند على فريزر في كتابه الشهير “الطوطم والتابو“، بل ان مادتي “طوطم” و “تابو” كتبهما فريزر للموسوعة البريطانية. وقد دفع فريزر لتخصصه استاذُ اللغة العربية في كامبردج روبرتسن سميث، الذي وظف اتقانه للغات الساميّة و التوراة واعمال فريزر لدراسة الاسطورة والطقوس في السياق السامِيّ، فقدم اعمالا أهمها “ديانة الساميين”، وليتنا نترجم كتابه عن الزواج والقربى عند عرب الجاهلية (“القربى والزواج في الجزيرة العربية المبكرة”)، فسعة اطلاعه وحضور رأيه يستحقان العرض والنقاش. ان غياب نسخة عربية سمح لـ”اقتباسات” كبيرة (باسلوب الاستعارة المنتهية بالتمليك!)، كما فعل اسماعيل أدهم في “من مصادر التاريخ الإسلامي” مستغلا (كغيره) حداثة اتصالنا بآراء الغرب والفجوة التعليمية الكبيرة في العالم العربي آنذاك.

بحَث المطوع عن شخصيات الرسوم في الكتب المقدسة، وهذا خيار سهل له وجمهوره، ونتيجته تجعل الـ ٩٩ بديلا اسلاميا لشخصيات يهودية و مسيحية. كما ان حديث المطوع يأخذ لأبعد من رسالة الحب التي أرادها، ففينا من سيفهم ان شخصيات الرسوم تبشر اطفالنا لاديان أخرى، فنبدأ حربا مقدسة كرتونية جديدة. لكن المطوع أخطأ، فسيرة البطولة أقدم و اوسع من الكتب المقدسة، فكل شعب نسج بطله، و إذا بهم يرسمون بطلا واحدا بالف اسم.

شارك التدوينة !

عن علي آل عمران

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

© Copyright 2013, All Rights Reserved