16يونيو

الطائفية على مذهب أرسطو

مغالطات منطق ارسطو تبدأ بتعريفه، فهو لا “يعصم العقل من الخطأ في الفِكر”. ابتكره وثنيون، و وظفه اليهود و المسيحيون و المسلمون فوافق تناقضاتهم. إنه مومس نامت مع الجميع و شهدت للجميع.

أليس غريبا أن تجد كلُّ العقائد المتناقضة (الدينية و السياسية) في معرفة الانسان أدلةً على صحتها و خطأ كل الآخرين؟ هل تحولت المعرفة الى مرآةِ تخبر كل شخص أنه أجمل البشر؟ ما أهمية شهادةِ لا تفرض رأيا واحدا على الجميع كما يفعل مقياس الحرارة و جدول الضرب؟ المعرفة التي لا تصرخ برأيها على الجميع لا تصلح قائدا او شاهدا.

الإستخدام الشعبي للمعرفة هو ترميم عقلنا القديم بأدلة متمدنة. العقل المفطور على العنصرية، مثلا، يجد في كل معرفة يكتسبها (من الشعوذة إلى الدين و العلم) عونا له، و كذلك العقل المفطور على الاستضعاف أو الابداع أو العنف أو الكرم، فالمعرفة (في استخدامها الشائع) لا تغيّر قناعاتنا بل تؤدلِجُها، اي تحولها لقيم ننذر حياتنا و موتنا لها.

كره الآخرين يُزرع في عقولنا الطرية قبل أن ينضج جهازها المناعي، فكل فرقة ناجية تقنع أبنائها أنها الحق بإثبات أن كل الآخرين على خطأ، ثم تعزلهم عن الآخرين كإجراء وقائي إضافي. نكبر و تكثر معرفتنا، فنستخدمها للدفاع عن القيم التي زُرعت فينا في أشد لحظات ضعفنا (بل غيابنا)، عندما كنا أطفالا.

التاريخ هو جلدنا الملتهب الذي لا نستطيع لمسه حتى لعلاجه. لكنه لا يقل او يزيد شأنا عن مرمى نفايات سكان نيويورك، فهو خليط من التيجان و الجثث و اناشيد الاطفال و الصديد و التعاويذ و كل ما يطمع فيه لصوص الاثار و شحاذي المزابل. إليه يرجع الجميع (المنتصر و المهزوم و الجائع و الجشع و المجتهد و البليد ..) فيجدوا اسباب التأييد و الرضى، فهو لا يعيد ذا حاجة خائبا. الكل يبحث عن قِطَع مرآته القديمة في ذلك الركام، و الشظايا الصحيحة هي التي تصنع مرآة تُرينا وجهاً يشبهنا، فالتاريخ يحمل وجوها بعدد وجوهنا و رغبات هي كل رغباتنا.

الشرق الاوسط هو شريك مؤسِّس لتعددية الانسان، و صعدت تعدديته مع حضارته، و هي تنكمش بقسوة تَراجُعِ حضارته. لا يستطيع مجتمع حَضَريٌ منتجٌ الا أن يكون تعدديا، فإذا ادرنا عجلة الانتاج فسيعمل الناس في كل شيء، بلا حدود، و كثير من محفزات الابداع الانساني تدفع للمحمود و الممنوع معا، فالابداع و البدعة يولدان و يموتان سويا. الشرق الاوسط يحتاج صمود كل الاقليات لكبح جماح كل الأغلبيات، فوحشة الرأي هي وحشة الانسان.

أغلب التيارات الدينية المعاصرة تشتغل في السياسة لا العلم، فهي (كأغلب الساسة) تحتاج عدوا يغذي برنامج المواجهة الدائمة (أو الولاء و البراء). وهي (كأغلب الساسة أيضا) تستخدم قِيم عدوها للحكم على قِيمها (enemy-centric)، فرغم انها بدأت كمدارس فكرية حرة الا انها تعلمت آليات البقاء السياسية بعد أن جعلت من آرائها هوية سياسية لا تتحمل المساومة، وصارت ترجّح حساب الارباح و الخسائر على الرآي الحر. الكثير من الفقهاء اليوم هم أساسا سياسيون، فحركتهم تحكمها تفاصيل معركة مفترضة.

شارك التدوينة !

عن علي آل عمران

2 تعليقان

  1. نايف الوابلي

    الطائفية على مذهب أرسطو من أجمل ما قرأت عن الطائفية تدل على إدراك عميق للكاتب

    أتمنى أن تواصل الكتابة في هذا المجال

    تحياتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

© Copyright 2013, All Rights Reserved